أجندات حزب الله تعمق جراح الاقتصاد اللبناني
بيروت - سجلت الليرة اللبنانية الخميس انخفاضا حادا في السوق السوداء مقابل الدولار، في موجة انهيار هي الأحدث بفعل ارتدادات سلبية للأزمة السياسية وبفعل تأثير أنشطة حزب الله الشريك في الائتلاف الحكومي والتي انعكست سلبا على الوضع العام في لبنان اقتصاديا وسياسيا.
وينقاد لبنان بسرعة نحو الانهيار في ظل تهاوي متسارع للعملة وسط تردد المانحين الدوليين في نجدة الاقتصاد اللبناني المتداعي حيث تقرن القوى الكبرى تقديم يد المساعدة بالقيام بإصلاحات جذرية تجد حكومة حسان دياب صعوبة في تمريرها.
ويعقد ارتباط حكومة حسان دياب بشكل مباشر بحزب الله الأمال بإنفراجة قريبة للأوضاع الاقتصادية، مما يجعل مهمة دياب تكاد تكون مستحيلة للخروج من أسوأ أزمة مالية تواجه البلاد وسط تواصل انهيار العملة المحلية.
ويجد دياب نفسه أمام تحدي إيجاد توازن بين مطالب المانحين الدوليين واكراهات المشهد السياسي الداخلي الذي يفرض التعامل مع حزب الله كطرف حكومي، تصنفه الولايات المتحدة ودول الخليج كمنظمة إرهابية.
وتتهم قوى سياسية لبنانية حزب الله بجر لبنان إلى عزلة إقليمية ودولية والتسبب في تراجع حاد للدعم المالي الخليجي للدولة اللبنانية بسبب هيمنة الجماعة الشيعية وتدخلاتها الخارجية في حربي اليمن وسوريا.
و يشير هؤلاء إلى أن عقدة لبنان وعلله في جزء كبير منها ناجمة عن دور حزب الله وارتهانه لسيادة لبنان وانحرافه بالدولة عن مبدأ النأي بالنفس عن الصراعات الاقليمية، ما أدخل البلاد في حروب اقليمية بالوكالة هي في غنى عنها.
وكانت تقارير غربية وعربية قد أشارت إلى أن مسلحين من حزب الله دربوا مقاتلين من جماعة الحوثي الموالية لإيران على إطلاق صواريخ باليستية في استهداف منشآت مدنية واقتصادية في السعودية وتدريبهم على إطلاق طائرات مسيرة.
وفاقم تدخل حزب الله في الحرب السورية دعما لنظام الرئيس بشار الأسد متاهات الاقتصاد اللبناني، فيما تترقب السلطات اللبنانية بحذر تداعيات عقوبات " قانون قيصر" الذي أقرته الولايات المتحدة ضد النظام السوري وحلفائه في المنطقة.
عقدة لبنان وعلله في جزء كبير منها ناجمة عن دور حزب الله وارتهانه لسيادة لبنان وانحرافه بالدولة عن مبدأ النأي بالنفس عن الصراعات الاقليمية
ويشمل القانون في مرحلته الأولى يوم 17 يونيو/حزيران، سلسلة عقوبات اقتصادية ضد الشركات والأفراد المرتبطين به، فيما ستتبعها على مراحل إجراءات عقابية أخرى ضد شركات وأفراد مرتبطة بالنظام السوري
وتسعى واشنطن لخنق حزب الله عبر هذه العقوبات وبالتالي تضييق الخناق أيضا على داعمته إيران وذلك عبر منع الجماعة الشيعية من تعزيز سيطرتها على مفاصل الدولة اللبنانية من بوابة الاقتصاد، حيث تخطط طهران لأن تكون من أوائل المستثمرين المستقبليين في سوريا.
وينتاب القلق المسؤولين في لبنان، خشية أن يؤثر القانون على المفاوضات التي تجريها حكومة حسان دياب مع صندوق النقد الدولي، لا سيّما أن هناك معابر غير شرعيّة يسيطر عليها حزب الله مع سوريا ترى الولايات المتحدة أنها تصيب الجماعة الشيعية الموالية لإيران في الصميم.
ويتسارع انهيار الاقتصاد اللبناني مع استمرار تحليق الدولار مقابل تهاوي الليرة اللبنانية رغم محاولات المصرف المركزي ضبط الوضع النقدي وإحداث نوع من التوازن، ما يعكس تخبط حكومة حسان دياب وعدم قدرتها على استيعاب الوضع خاصة بعد تداعيات فيروس كورونا التي عمقت المتاعب الاقتصادية.
وسجّلت الليرة اللبنانية انخفاضاً غير مسبوق في السوق السوداء أمام الدولار الخميس، لامس عتبة الخمسة آلاف، رغم تحديد سعري المبيع والشراء رسمياً، في بلد يشهد ارتفاعاً جنونياً في أسعار السلع.
وفاقمت أزمة كورونا معاناة الاقتصاد اللبناني الهش بعد إغلاق العديد من الشركات الشهر الماضي للحد من تفشي الفيروس الذي أصاب أكثر من 640 شخصاً وأودى بحياة 20 في البلد المتوسطي الصغير، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والمالية في لبنان.
ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد اللبناني بنسبة 12٪ في العام 2020 وسط أسوأ أزمة اقتصادية ومالية تشهدها البلاد منذ عقود. ويأتي تقرير صندوق النقد الدولي في وقت تسعى فيه السلطات اللبنانية التعامل مع الأزمة الاقتصادية والمالية الصعبة باعتماد خطة تتضمن إعادة هيكلة الدين الضخم على البلاد وإصلاح المصارف المحلية والبنك المركزي.
وينعكس الانخفاض في قيمة العملة المحلية على أسعار السلع والمواد الغذائية وكل ما يتم استيراده من الخارج كالمفروشات والأدوات الكهربائية وقطع السيارات. وتبدو سياسة البنك المركزي مكبلة لإنعاش الليرة في ظل الأزمة الحادة التي تمر بها البلاد، وبالتالي فإن تبعاته على النظام المالي ستكون مدمرة.
ويعيش لبنان حالة من الغليان ترجمتها الاحتجاجات الشعبية فيما عمدت منظمات وجمعيات إلى مساعدة الطبقات الفقيرة الأكثر تضررا من الأزمة.
ويعد تثبيت سعر العملة منذ عقود مقابل الدولار، إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد، ويمكن أن يمثل فك ارتباطها زلزالا هائلا للنظام المصرفي اللبناني. وتعقد السلطات اجتماعات متلاحقة مع صندوق النقد الدولي أملاً بالحصول على دعم مالي يضع حداً للأزمة المتمادية، في وقت تقترب الليرة من خسارة نحو سبعين بالمئة من قيمتها منذ الخريف، فيما تترقب السلطات اللبنانية بحذر تداعيات " قانون قيصر" نظرا للعلاقات المتشابكة بين حزب الله ونظام بشار الأسد.
ولا تزال الحكومة عاجزة عن احتواء الأزمة وتعلّق آمالها على صندوق النقد في محاولة للحصول على أكثر من 20 مليار دولار بينها 11 مليار أقرها مؤتمر سيدر في باريس عام 2018 مشترطاً اجراء إصلاحات لم تبصر النور.
ونبّهت مجموعة الأزمات الدولية في تقرير الاثنين إلى أن “لبنان يحتاج إلى مساعدات خارجية ملحّة لتفادي أسوأ العواقب الاجتماعية” شرط أن تكون مقرونة بتبني السلطات إصلاحات ضرورية ما زالت تتجاهلها.
ودفعت هذه الأزمة مئات آلاف اللبنانيين للخروج إلى الشارع منذ 17 تشرين الأول/أكتوبر احتجاجاً على أداء الطبقة السياسية التي يتهمونها بالفساد والفشل في إدارة الأزمات المتلاحقة. ووجد عشرات الآلاف أنفسهم خلال الأشهر الأخيرة يخسرون وظائفهم أو جزءاً من رواتبهم، ما رفع معدل البطالة بحسب احصاءات رسمية، إلى أكثر من 35 بالمائة.