أحداث جباليا تمثل انتكاسة لزخم الوحدة التي جسدتها الانتفاضة

غزة- من عماد الدريملي
الوان في طيف واحد

لم يحن الوقت بعد للحديث عن حرب أهلية فلسطينية- فلسطينية، فالطريق إلى مثل هذه الحرب مرفوض من قبل غالبية ألوان الطيف الفلسطيني.
لكن الخطوات الاولى التي توحي بهذا السيناريو لاحت بالفعل خلال الساعات الماضية عندما وقعت اشتباكات مسلحة عنيفة بين عناصر من تنظيمات فلسطينية وأفراد الشرطة الفلسطينية في مدينتي غزة جباليا شمال قطاع غزة.
وقد خلفت هذه المواجهات التي استخدمت فيها القنابل اليدوية والعبوات المتفجرة والاسلحة الاتوماتيكية مقتل ستة فلسطينيين وإصابة نحو 70 آخرون زيادة على تدمير سيارات ومباني تابعة للشرطة الفلسطينية.
وجاءت المواجهات أثناء تشييع جثمان فتى فلسطيني قتل ليلة الخميس/الجمعة خلال مصادمات وقعت في أحد أحياء مدينة غزة الشعبية بين مواطنين وأنصار من حركة المقاومة الاسلامية "حماس" وأفراد الشرطة الفلسطينية التي جاءت لاعتقال عبد العزيز الرنتيسي أحد قيادي الحركة.
وهكذا تزايدت المخاطر فجأة وأغلقت كل أبواب التفاهم والحوار التي كانت متاحة بين التيارات الفلسطينية قبيل خطاب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والذي دعا فيه الشعب الفلسطيني وكافة التنظيمات الفلسطينية إلى وقف إطلاق النار.
ويرى محللون ومراقبون فلسطينيون إن "سقوط فلسطينيين برصاص إخوانهم الفلسطينيين يكشف عن خلل في العلاقة في كيفية التعامل مع إسرائيل بين السلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية التي رفضت الانصياع لقرار الرئيس الفلسطيني لوقف إطلاق النار والذي جاء في أوج الانتفاضة الفلسطينية، واستمرار تساقط الفلسطينيين الواحد تلو الاخر في الغارات والهجمات الاسرائيلية على المدن والقرى الفلسطينية.
غير أن السلطة الفلسطينية ترى في عدم استجابة القوى الفلسطينية لقرارها يدعم الرأي الذي يقول إن السلطة الفلسطينية التي شكلت عام 1994 في انتخابات عامة على أساس اتفاقات اوسلو "كسرت هيبتها وهي عاجزة عن تنفيذ التزاماتها تجاه المجتمع الدولي الذي يريد خلق أجواء التهدئة لمواصلة الحوار والمفاوضات."
وتجلى ذلك في استمرار إطلاق النار والعمليات الانتحارية ضد أهداف إسرائيلية، الامر الذي كان يحدث ردود فعل إسرائيلية عنيفة داخل المناطق الفلسطينية في الضفة والقطاع، وسط تأييد دولي وخاصة من الولايات المتحدة التي مارست خلال الفترة الماضية ضغوطاً على الرئيس الفلسطيني لوقف هذه العمليات.
ووضعت هذه الصورة السلطة الفلسطينية ورئيسها ياسر عرفات في معضلة سياسية لا يحسد عليها وقلصت من تحركاته السياسية فهو من جهة يواجه حربا أهلية إذا واصل حملته لقمع المتشددين، وإذا توقف سيواجه بعزلة دولية اكبر ويخاطر بفقدان تأييد دولي لاقامة دولة فلسطينية الحلم الذي طالما راوده وأوشك على التحقق.
واتخذت السلطة الفلسطينية إجراءات صارمة تجاه تلك القوى عبر حملات اعتقال وإغلاق مؤسسات لاثبات قدرتها على أنها السلطة الوحيدة الامر الذي لم يرق على ما يبدو للتنظيمات الفلسطينية.
ويبرر المسؤولون الفلسطينيون إجراءات السلطة بأنها تأتي " لحماية المصلحة الوطنية العليا في ظل انحياز سافر لاسرائيل من بعض القوى الدولية، وفي ظل معطيات ومتغيرات دولية تفرض نفسها على الواقع الوطني والقومي والاقليمي، الامر الذي استدعى قيام القيادة باتخاذ المواقف والخطوات التي تعزز قدراتها أمام شراسة ووحشية الهجمة الاسرائيلية" على حد قولها.
غير أن القوى الفلسطينية رأت في هذه الخطوات "استسلام للضغوطات الاسرائيلية والاميركية"
ويضيف المحللون أن ما حدث في غزة خلال الساعات الماضية " أمر مؤسف ومقلق ويحمل في طياته مستقبلا غامضا".
وتبادلت الشرطة الفلسطينية والقوى الفلسطينية المعارضة الاتهامات بشأن المسؤولية عن الاحداث الدامية التي وقعت اليوم، ففي حين اتهمت فصائل فلسطينية وخاصة حركة حماس الشرطة الفلسطينية بالافراط في ردها على المتظاهرين الفلسطينيين".
واكتفت الشرطة الفلسطينية بالرد على هذه الاتهامات بالقول أن "عناصر مندسة" من حركة الجهاد الاسلامي وحماس قامت بإطلاق النار والقنابل اليدوية على مركز للشرطة الفلسطينية وسط جباليا خلال تشييع جثمان الفتى.
من جانبه، أعرب عبد الله الشامي أحد قيادي حركة الجهاد الاسلامي عن الاسف لما حدث مضيفاً أن "أي قطرة دم تسيل بين الفلسطينيين بأيدي فلسطينية تبعث على الحزن والاسى".
وتمنى الشامي أن لا تتكرر مثل هذه الاحداث مناشدا الجميع بأن تشملهم روح الحكمة والعقل والمنطق ليكون الفلسطينيون سلطة وفصائل وتنظيمات صفاً واحدا لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي".
ويقول المراقبون أن أحداث جباليا مثلت انتكاسة في جهود الوحدة الوطنية التي تعززت خلال الانتفاضة وكان يمكن تلافي حدوثها بنوع من ضبط النفس والحكمة من قبل الجميع".
ويقول قيادي بارز في حركة فتح الذي يقوم مع مجموعة من قيادي الحركة بوساطات للتهدئة "إن الظروف الراهنة لا تسمح بمثل هذه الخلافات "وأنا واثق أننا سنتجاوزها مثلما تجاوزنا من قبل الكثير من الصعاب".
وبدت بوادر الانفراج في هذه الازمة بعد قرار غير مسبوق اتخذته حركة حماس بوقف العمليات الاستشهادية واطلاق قذائف الهاون ضد الاسرائيليين.
وأعلنت الحركة الجمعة في بيان رسمي وقف كافة العمليات الاستشهادية داخل اسرائيل ووقف اطلاق قذائف الهاون، داعية كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري للحركة إلى الالتزام بالقرار.
وقالت حماس في بيانها "إننا نعلن وقف العمليات الاستشهادية داخل الارض المحتلة عام 1948 ووقف إطلاق الهاون إلى حين. ودعت حماس "كافة ابناء الحركة وخاصة كتائب عز الدين القسام إلى الالتزام بهذا (القرار) الى ان يقضي الله أمرا كان مفعولا". وقد حمل البيان الشعار الرسمي للحركة وتاريخ الجمعة.
وأشارت حماس إلى أن القرار جاء "من اجل وحدة شعبنا وحفاظا على سلامة مسيرته الجهادية لنيل حريته واستقلاله ورغم معرفتنا الكاملة بتوجهات العدو الصهيوني المحتل لسحق إرادة شعبنا وفرض الاذلال والمهانة عليه من خلال الممارسات القمعية والسياسات العدوانية واستجابة للكثير من العقلاء الذين يرغبون في تفويت الفرصة على المحتلين لضرب وحدة صفنا".
من جانبها، رحبت القيادة الفلسطينية في بيان لها صدر الجمعة بعد اجتماعها في رام الله بالبيان (الهام) الذي أصدرته حركة حماس".
واعتبرت القيادة بيان حماس بأنه " تجاوباً هاما مع موقف القيادة وقراراتها التي تخدم مصلحتنا الوطنية، وتقطع الطريق على مخطط شارون لضرب شعبنا وضرب عملية السلام وإجهاض الاجماع الدولي لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وعاصمتها القدس الشريف في ظل سلطة القانون والشرعية والديمقراطية والتعددية السياسية التي يعتز بها شعبنا وأمتنا".
كما ألمحت حركة الجهاد الاسلامي بدورها إلى أنها لن تجد مفرا من الانضمام إلى هذا الاجماع الوطني وحقنا للدم الفلسطيني وحرصا على الوحدة الوطنية ودون أن يمس ذلك حقها المشروع في مواصلة النضال.