أزمة سيولة تدفع العراق الى حافة الاختناق المالي
بغداد – يواجه العراق مشكلة مزدوجة سياسية ومالية من شأنها أن تزيد الوضع تعقيدا مع حالة انسداد سياسي بتعثر انتخاب رئيس للوزراء ورئيس للدولة وسط أنباء عن أزمة سيولة حادة ومؤثرة، فقد كشفت مصادر مطلعة أن الموارد المتاحة لم تعد تكفي لتأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين خلال الفترة المقبلة في مؤشر يضع البلاد أمام اختبار اقتصادي حساس يتقاطع مع حالة الجمود السياسي غير المسبوق.
ونقلت وكالة شفق نيوز الكردية العراقية عن مصادر قولها، إن حكومة تصريف الأعمال برئاسة محمد شياع السوداني وجدت نفسها مجبرة على سحب نحو 20 تريليون دينار من مصرف الرافدين، إضافة إلى ما بين 7 و8 تريليونات دينار من مصرف الرشيد، فضلاً عن 7 مليارات دولار من مصرف آخر، إلى جانب مبالغ من مصارف حكومية متخصصة، لتغطية الرواتب خلال الأشهر الماضية.
وتكشف هذه الأرقام في حال صدقيتها، أن الأزمة لم تعد مجرد ضغط مالي عابر، بل تحوّلت إلى اختناق سيولة حقيقي يضرب الجهاز المصرفي الحكومي نفسه، فاستنزاف الاحتياطيات بهذا الحجم يعني أن أدوات المناورة المالية تضيق بسرعة، وأن أي صدمة إضافية، مثل تراجع أسعار النفط أو زيادة الإنفاق الطارئ، قد تدفع الدولة إلى خيارات صعبة مثل تأخير الرواتب أو اللجوء إلى الاقتراض الداخلي، وهو خيار يفاقم المشكلة بدل حلها لأنه يعيد تدوير الأزمة داخل النظام المالي ذاته.
اقتصادياً، تشير المؤشرات إلى أن جذور الأزمة لا تتعلق فقط بتراجع السيولة، بل بخلل بنيوي في إدارة الموارد، حيث تتراكم الملاحظات حول الهدر وسوء التخطيط وضعف الرقابة على الإنفاق. ويؤكد خبراء أن اعتماد المالية العامة شبه الكامل على الإيرادات النفطية يجعل الميزانية رهينة تقلبات السوق العالمية، فيما تظل القطاعات الإنتاجية الأخرى محدودة المساهمة، ما يحرم الخزينة من مصادر دخل مستقرة.
سياسيا، يطرح صمت حكومة تصريف الأعمال تساؤلات واسعة، فالتزام الصمت في ظل أزمة بهذا الحجم يفسره مراقبون بأنه انعكاس لحالة الشلل السياسي الناتجة عن الخلافات حول اختيار رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، وهي حالة تجعل أي قرار مالي كبير عرضة للطعن أو الرفض من القوى المتنافسة. كما أن حكومة تصريف الأعمال، بحكم صلاحياتها المحدودة، تتجنب غالباً إعلان أزمات كبرى قد تُحمّلها مسؤولية سياسية أو قانونية، فتفضّل إدارة الأزمة بصمت إلى حين اتضاح ملامح السلطة التنفيذية المقبلة.
ولا يفاقم هذا الانسداد السياسي الأزمة المالية فحسب، بل يضاعف آثارها النفسية في السوق، إذ يؤدي غياب الوضوح إلى تراجع الثقة لدى المستثمرين والمودعين، وهو ما قد يسرّع سحب الودائع أو تحويلها إلى عملات أجنبية، ما يزيد الضغط على السيولة المحلية ويخلق حلقة مفرغة يصعب كسرها.
كما تبرز تساؤلات حول انعكاسات الأزمة على مخصصات إقليم كردستان، لا سيما ملف الرواتب المعلّق بين بغداد وأربيل، فلطالما اعتُبر هذا الملف ورقة ضغط سياسية تستخدمها الحكومة الاتحادية في مفاوضاتها مع الإقليم، ما يعني أن أي ضائقة مالية قد تدفع المركز إلى تشديد القيود على التحويلات، سواء بدافع الضرورة أو كأداة تفاوض. وفي المقابل، قد يؤدي ذلك إلى تصعيد سياسي من جانب الإقليم، خصوصاً إذا انعكس التأخير على رواتب موظفيه، وهي قضية حساسة اجتماعياً.
ويبدو أن أزمة السيولة قد تحوّلت إلى ملف وطني مركب تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد. وإذا لم تُتخذ إجراءات إصلاحية عاجلة تعيد التوازن إلى المالية العامة وتستعيد الثقة بالمؤسسات، فإن الأزمة التي تطرق أبواب البلاد بقوة اليوم قد تتحول غداً إلى اختبار استقرار شامل، يمتد أثره من المصارف إلى الشارع ومن الموازنة إلى التوازنات السياسية.
وتسود مخاوف جدية من استفحال الأزمة خاصة مع تقلبات أسعار النفط المورد الأساسي للإيرادات، وهو ما يعني عمليا ارتدادات في الشارع قد تلهب الجبهة الاجتماعية المتوترة بطبعها نتيجة حالة الاختناق المالي التي تهز العراق من حين إلى آخر.