أزمة مشافي السليمانية تختصر واقع قطاع صحي مترد في العراق
السليمانية (العراق) – تحذر الطواقم الطبية في مستشفيات السليمانية من أزمة صحية تهدد حياة المرضى مع نقص حاد في المواد المختبرية والأجهزة الطبية خصوصا في مستشفيات الأطفال والولادة، ورغم أن واقع القطاع الصحي في العراق عموما يعاني منذ سنوات من ضعف الإمكانيات والخدمات، إلا أن أزمة المشافي في السليمانية تتفاقم بشكل مستمر.
ويلقي الكثيرون باللوم على الحكومة لغياب الرؤية التخطيطية الواضحة، مما تسبب بحالة من التضخم الوظيفي في الوقت الذي تفتقر فيه المستشفيات لأبسط المقومات الصحية، ويؤكد المتابعون للوضع الصحي أنه ترديه هو نتاج تراكمي لإهمال الحكومات المتعاقبة لهذا الملف الحيوي.
وقال الطبيب كويان زاهر مدير مستشفى الدكتور جمال أحمد رشيدي للأطفال، إن مستشفى الأطفال ومستشفى الولادة في السليمانية لا يملكان سوى 10 أجهزة تنفس صناعي فقط، تعمل بشكل متواصل، ما يعرضها لضغط كبير وخطر التعطل في أي لحظة، مضيفا أن استمرار تشغيل هذه الأجهزة من دون بدائل أو صيانة دورية يشكل تهديداً مباشراً لحياة المرضى، ولا سيما في أقسام العناية المركزة لحديثي الولادة.
وعانى العراق على مدى العقود الماضية من تراجع مستمر في الوضع الصحي، وشهد نظامه الصحي خللا كبيرا منذ منتصف القرن الماضي بسبب الحروب المتتالية والحصار الاقتصادي الذي استمر لأكثر من اثني عشر عاما، وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والفساد الاداري والمالي، الأمر الذي أسهم بدرجة كبيرة في تدهور وتراجع ملحوظ في مستوى الخدمات الصحية والطبية في ظل غياب الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية للنهوض بواقع هذا القطاع.
ويعد واقع الخدمات الصحية في العراق ضعيفًا من ناحية الخدمات اللوجستية أو الأداء ولا يتلاءم مع الزخم الحاصل على الخدمات الطبية، لهذا فإن مؤشر نسبة العجز في تقديم الخدمات الصحية مرتفع الى حد كبير، فالمراكز الصحية والمستشفيات لا تكفي لسد حاجة المواطنين إضافة إلى فقدان أنواع من الخدمات الطبية التي من المفترض أن تقدمها هذه المراكز والمستشفيات لمستفيديها.
وأوضح نائب مدير عام صحة السليمانية، هيرش سليم، لوكالة شفق نيوز المحلية، أن انتهاء عقود صيانة وإصلاح الأجهزة الطبية أدى إلى خروج عدد كبير منها عن الخدمة. وبيّن أن إعادة تشغيل هذه الأجهزة تتطلب تخصيصات مالية كبيرة، في وقت لم توفر فيه وزارة المالية الأموال اللازمة لهذا الغرض.
وأشار سليم إلى أن بعض الأجهزة الحالية جرى تأمينها عبر تبرعات من جهات خيرية، فيما تم شراء جزء آخر نتيجة ضغوط مورست على وزارة الصحة، ولفت أن المشكلة الأساسية تكمن في انتهاء عقود الصيانة، ما يجعل الأجهزة المتبقية عرضة للتوقف في أي وقت.
وبحسب المسؤول الصحي، فإن جميع مستشفيات السليمانية لا تضم حالياً سوى جهازين فقط للتصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) يعملان، فيما توقفت بقية الأجهزة عن الخدمة. وأضاف أن هناك توجهاً لبيع الأجهزة المعطلة بوصفها خردة، إلا أن الحكومة لم تبادر حتى الآن إلى شرائها أو إصلاحها.
وحذر سليم من أن استمرار الوضع من دون تدخل عاجل سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الصحية، ويضع حياة المرضى في خطر حقيقي، خاصة مع تزايد الضغط على المؤسسات الطبية في المحافظة.
غير أن هذا الواقع لا يبتعد كثيرا عن واقع المستشفيات عموما في العراق، ويشير خبراء إلى أن معالجة الأزمة الصحية في البلاد تتطلب تبني سياسات واضحة للتخطيط وإعادة هيكلة الكوادر، مع التركيز على تطوير البنية التحتية وتوفير المستلزمات الطبية، لضمان تقديم خدمة صحية نوعية تلبي احتياجات المواطنين وتعكس إيجابياً على صحة المجتمع ككل.
وقال المتخصص في الشأن الاقتصادي علي الفهد، إن "الأزمة الصحية في العراق لا يمكن فصلها عن الوضع الاقتصادي العام للدولة"، مشيراً إلى أن "ضعف الإيرادات الحكومية، الناتج عن الاعتماد شبه الكلي على النفط، يجعل توفير التمويل الكافي للقطاع الصحي تحدياً كبيراً".
وأضاف الفهد في تصريحات صحافية أن "الأزمات المالية المتراكمة خلال السنوات الماضية أدت إلى توقف كثير من المشاريع الصحية، بما فيها المستشفيات الجديدة وتجهيزات الطوارئ والمراكز الطبية الريفية"، وتابع أن "الفساد وضعف الرقابة على الإنفاق الحكومي ساهم أيضاً في توجيه الموارد بعيداً عن القطاع الصحي، ما أثر سلباً على جودة الخدمات".
ونوه أنه حتى لو تم توظيف دفعات جديدة من الكوادر الطبية، فإن غياب خطط استراتيجية واضحة لإدارة المستشفيات وتوزيع الأطباء والمعدات الطبية بشكل عادل يجعل جهود التطوير محدودة النتائج"، محذراً من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى "زيادة الأعباء على المواطن، وتفاقم الأمراض المزمنة، واستنزاف الطاقات الطبية الشابة التي يمكن أن تكون جزءاً من الحل".
ويرى أن الحل يبدأ بإعادة هيكلة المالية العامة، وتخصيص موازنات واضحة للقطاع الصحي، وضمان شفافية صرف الأموال، إلى جانب وضع خطط تشغيلية قابلة للتطبيق لإدماج الكوادر الجديدة والاستفادة من خبراتهم بشكل فعال.
ويقول مراقبون إن الأزمة الصحية في العراق متعددة الأبعاد، فهي ترتبط بالجانب المالي، والجانب الإداري، والبنية التحتية، إضافة إلى نقص الخدمات الأساسية في مناطق نائية. كما أشاروا إلى أن غياب التخطيط طويل المدى وانعدام الرقابة الفعلية على المستشفيات يزيد من معاناة المواطنين ويجعل القطاع عرضة للانتكاسات المستمرة.
ويرى متخصصون أن معالجة الوضع الحالي يتطلب تعاوناً بين الحكومة، ومجلس النواب، والخبراء الاقتصاديين والطبيين، لتوفير التمويل اللازم، ووضع خطط استراتيجية لإعادة توزيع الكوادر، وتحديث المستشفيات والمراكز الصحية، بالإضافة إلى برامج تدريب مستمرة للأطباء والممرضين.