أسرع 'نصف ماراثون' في التاريخ بأرجل بلا لحم ولا دم

آلة تفوز على الإنسان في سباق نصف ماراثون، بعد أن سجل 'لايتنينغ' تفوقا على أفضل عدائي العالم.

بكين ـ في مشهد يعكس تسارع وتيرة التطور التكنولوجي، شهدت العاصمة الصينية بكين حدثا استثنائيا أعاد تعريف حدود المنافسة بين الإنسان والآلة، بعدما نجح روبوت بشري الصنع في تحطيم الرقم القياسي العالمي لسباق نصف الماراثون، متفوقا على أفضل إنجاز بشري مسجل حتى الآن. هذا الإنجاز اللافت لم يكن مجرد عرض تقني، بل محطة مفصلية تؤشر إلى تحولات عميقة في عالم الروبوتات والذكاء الاصطناعي.

وجاء هذا الحدث خلال فعاليات سباق نصف ماراثون بكين، الذي جمع بين نحو 12 ألف عداء بشري وعشرات الروبوتات الشبيهة بالبشر، في تجربة فريدة من نوعها تمزج بين الرياضة والتكنولوجيا. وعلى مسار مصمم بعناية لتجنب الاصطدامات، ركضت الروبوتات إلى جانب البشر، في مشهد يعكس مستوى التقدم الذي وصلت إليه هذه الآلات في محاكاة الحركة البشرية.

وكان الإنجاز الأبرز في السباق من نصيب روبوت يُدعى 'لايتنينغ' من طراز 'أونور روبوتكس دي1'، طورته شركة 'شنتشن هونر' الصينية، حيث تمكن من قطع مسافة 21 كيلومترًا في زمن قياسي بلغ 50 دقيقة و26 ثانية. بهذا الأداء، لم يكتفِ الروبوت بالفوز بين نظرائه من الآلات، بل تفوق أيضا على الرقم القياسي العالمي البشري، الذي سجله العداء الأوغندي جاكوب كيبليمو في مارس/أذار الماضي بزمن قدره 57 دقيقة و20 ثانية.

ويمثل هذا التطور قفزة هائلة مقارنة بالنسخة الأولى من السباق التي أُقيمت العام الماضي، حيث استغرق أفضل روبوت آنذاك، 'تيانقونغ ألترا'، أكثر من ساعتين و40 دقيقة لإكمال المسافة نفسها.

ويعكس هذا الفارق الزمني الكبير حجم التحسن الذي شهدته تقنيات الروبوتات، سواء من حيث كفاءة الحركة أو استقرار الأنظمة الداخلية.

ويعزو المهندسون هذا الأداء المتقدم إلى تصميم الروبوتات الحديثة التي باتت تحاكي بشكل دقيق بنية الرياضيين المحترفين، إذ يتمتع الروبوت الفائز بأرجل يبلغ طولها نحو متر، ما يمنحه قدرة أكبر على تحقيق خطوات واسعة وسريعة. كما زُوّد بنظام تبريد متطور يعتمد على تقنيات التبريد السائل، ما يسمح له بالعمل لفترات طويلة دون التعرض لارتفاع درجة الحرارة، وهي مشكلة كانت تعيق الأجيال السابقة من الروبوتات.

وأوضح المهندس دو شياودي، أحد المشاركين في تطوير هذه التقنيات، أن الابتكارات المستخدمة في هذا النوع من الروبوتات، مثل الهياكل الحاملة للأحمال وأنظمة التبريد، يمكن أن تُطبق مستقبلا في مجالات صناعية متعددة، ما يفتح الباب أمام استخدامات أوسع لهذه التكنولوجيا خارج الإطار الرياضي.

ورغم هذا النجاح اللافت، لم يخلُ السباق من التحديات، إذ واجهت بعض الروبوتات صعوبات عند خط البداية، بينما فقدت أخرى توازنها أو اصطدمت بالحواجز على طول المسار. كما احتاج بعضها إلى تدخل بشري أو تحكم عن بُعد لتصحيح مسارها، في حين تمكنت نسبة تقارب 40% من الروبوتات من الاعتماد على أنظمة الملاحة الذاتية بشكل كامل.

وشهدت نسخة هذا العام مشاركة أكثر من 100 فريق، مقارنة بـ20 فريقا فقط في النسخة السابقة، من بينها خمسة فرق دولية، ما يعكس الاهتمام العالمي المتزايد بهذا النوع من المنافسات. كما تم تقسيم الروبوتات المشاركة إلى فئتين رئيسيتين: روبوتات تعتمد على الملاحة الذاتية، وأخرى يتم التحكم بها عن بُعد، وهو ما أتاح مقارنة عملية بين مستويات التطور في كل فئة.

ومن اللافت أن بعض الروبوتات لم تكتفِ بإكمال السباق، بل تمكنت من التفوق على عدد من العدائين البشر، وهو ما يطرح تساؤلات واسعة حول مستقبل المنافسة بين الإنسان والآلة، وحدود التفوق البشري في ظل هذا التسارع التقني.

ورغم أن الروبوت الفائز احتاج إلى مساعدة بسيطة للوقوف مجددًا قبل خط النهاية، فإن ذلك لم يقلل من أهمية الإنجاز، بل أبرز في الوقت ذاته أن هذه التكنولوجيا، رغم تطورها الكبير، لا تزال في طور التحسين والتطوير المستمر.

ويؤكد هذا السباق أن الروبوتات لم تعد مجرد أدوات صناعية أو نماذج تجريبية، بل أصبحت كيانات قادرة على أداء مهام معقدة تتطلب دقة وتوازنًا وسرعة، وهي عناصر كانت حكرًا على الإنسان. ومع استمرار الاستثمار في هذا المجال، يبدو أن السنوات المقبلة ستشهد مزيدًا من الإنجازات التي قد تعيد رسم ملامح العلاقة بين البشر والآلات.

لم يكن نصف ماراثون بكين مجرد سباق، بل منصة عالمية لاستعراض مستقبل التكنولوجيا، حيث التقت الإرادة البشرية بالإبداع الهندسي، في سباق لم يعد فيه التفوق حكرًا على الإنسان وحده.