أطفال عراقيون ينتصرون على متلازمة داون بالرياضة
بغداد - انتزعت هبة ميداليتين ذهبيتين في اليونان عام 2011 والولايات المتحدة عام 2015، فهذه الشابة العراقية المصابة بمتلازمة داون ترفع راية بلدها في المسابقات الدولية وتستعد الآن لدورة الأولمبياد الخاص في أبوظبي بعد أشهر.
تحرص هذه الشابة ذات الشعر المتجعّد على تأمل إنجازاتها في لعبة الريشة الطائرة، محدّقة في ميدالياتها وصورها المنشورة في المجلات، وتقول "أريد أن أواصل التدريب وأحصل على ميداليات جديدة، أنا بطلة رياضية".
تشير والدتها سعاد التي تواكبها باستمرار إلى أنها "كانت قبل سنوات غير مستقرة، ومتوتّرة أحيانا مع أفراد العائلة" التي تعيش في منزل متواضع في أحد أحياء العاصمة بغداد.
لكنها حين كانت في العاشرة من عمرها، تعلقت بالرياضة، بداية مع كرة الطاولة التي فازت فيها بميدالية ذهبية في لوس أنجليس كسبت بفضلها منحة مالية شهرية بقيمة 600 دولار من وزارة الشباب والرياضة، قبل أن تحترف الريشة الطائرة.
وتضيف والدتها وهي تقلّب بين ميداليات ابنتها "بفضل إصرارها، تغلبت على حالتها الصحية وأصبحت رياضية بطلة وهي عادة ما تفخر بهذا الموضوع".
لا دعم
في انتظار الأولمبياد الخاص في العام 2019، تحلم هبة بميداليات جديدة.
في بعض الأماكن، يحاول البعض الابتعاد عن هبة وكأنه يخاف منها، وهي تسألني ببراءة، لماذا يبتعدون عني
إلى جانب هبة، تستعدّ ضي وادي (17 عاما) لمسابقات أبوظبي.
وفي الدورة السابقة التي أقيمت في الإمارة نفسها، حصدت ميداليتين ذهبية وفضية في سباقي 25 و50 مترا، متغلبة على منافسين من 22 دولة.
ويقول والدها علي وادي (60 عاما) وهو موظّف متقاعد متفرّغ حاليا لابنته التي تتابع دروسها في معهد حكومي "نأمل أن تحصد ميداليات مماثلة في بطولة العالم المقبلة ونعمل على مساندتها في تحقيق ذلك".
لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى غياب تام لأي دعم.
ويقول "للأسف، في معظم بلدان العالم، هناك اهتمام كبير متنوع بهذه الفئة، لكن هنا لم تتوفر حتى سيارة خاصة لإيصالهم الى القاعة".
ويشكو والد هبة، صلاح أصغر البالغ ستين عاما، من غياب الدعم أيضا، في بلد أنهكته عقود من الحروب والاضطرابات.
ويقول "لا يوجد أي دعم من جانب الحكومة، ولا يوجد أي علاجات للأشخاص المصابين بمتلازمة داون".
ولا تصدر في العراق أية إحصاءات عن عدد المصابين بهذا الخلل الوراثي.
شرف المحاولة
رغم ذلك، عاد العراق من الألعاب الخاصة الإقليمية باثنتين وخمسين ميدالية.
يشرف عصام الخفاجي على تدريبات الفرق العراقية الخاصة التي ترفع شعار "دعني أفوز، فإن لم أستطع، فدعني أكون شجاعا بالمحاولة".
يقول هذا الستيني الذي يعمل مديرا لإحدى المدارس إن "هذه الشريحة الرياضية تتمتع بإصرار كبير للتعلم والتغلب على الإعاقة الذهنية وتطوير قدراتهم النفسية والشخصية إلى الحد الذي أصبحوا فيه يعتمدون على أنفسهم سواء في البيت أو أثناء ممارسة الرياضة".
ومن الأمثلة على هذا الإصرار عليّ البالغ 24 عاما والذي لم تثنه عمليتان جراحيتان عن مواصلة التدريب والحصول على ميدالية ذهبية في لعبة "البوتشي" في مارس/آذار الماضي في دولة الإمارات.
وهو اليوم يستعدّ لبطولة العالم في هذه اللعبة على أمل الحفاظ على إنجازه.
يحاول علي الذي يتحدث بصعوبة تسهيل الشرح بالإشارة، فيشير بإصبعه إلى عينه للقول إنه حصد ميدالية خلال بطولة أقيمت في مدينة العين الإماراتية.
لكن حسين علي (20 عاما)، صاحب ذهبية وفضية في سباقات الجري، لم يتحدث عن إنجازه، بل أراد أن يرد الدين لأسرته قائلا "أمي وأبي ساعداني كي أصبح بطلا رياضيا".
رغم هذه الإنجازات، لا يشعر هؤلاء الأبطال الرياضيون وأهلهم أنهم مرتاحون في مجتمعهم.
وبقدر ما تعبّر سعاد، والدة هبة، عن اعتزازها بما حققته ابنتها، لا تخفي ألمها وانزعاجها مما تواجهه خارج البيت.
وتقول "للأسف، هناك في المجتمع العراقي من لا يراعي تلك الخصوصية".
وتضيف "في بعض الأماكن، يحاول البعض الابتعاد عن هبة وكأنه يخاف منها، وهي تسألني ببراءة، لماذا يبتعدون عني؟".
وتتابع "أحيانا تبكي، لكني أقول لها أنت أفضل منهم، أنت بطلة".







