'أكسيدون'.. حين تصبح الحكاية قضية رأي عام
تونس - مع انطلاق الموسم الرمضاني، خطف مسلسل "أكسيدون" الأضواء منذ حلقاته الأولى على قناة نسمة الجديدة (الخاصة)، ليس فقط بحبكته الدرامية الثقيلة، بل أيضاً بحجم الجدل الذي أشعله على منصات التواصل الاجتماعي. العمل الذي أخرجه مطيع الدريدي والمستوحى من أحداث حقيقية، تحوّل سريعاً إلى مادة يومية للنقاش بين الإشادة والانتقاد، وبين الدفاع والهجوم.
تدور أحداث المسلسل حول "يوسف" (يؤدي دوره نضال السعدي)، عامل يومي بسيط يعمل في توصيل الطعام، يعيش حياة متواضعة رفقة زوجته وابنته. في لحظة عبث رقمي، يتسبب بث مباشر على تطبيق تيك توك في طرده من عمله، لتبدأ سلسلة انهيارات تقوده إلى حافة اليأس.
في المقابل، يعيش "كريم" في عالم موازٍ من الرفاه والتهور، مستنداً إلى ثراء والده الفاحش. تتقاطع المصائر في حادث مأساوي يودي بحياة ابنة يوسف وزوجته، بينما يلوذ كريم بالفرار. ومع تصاعد الأحداث، تلجأ عائلته إلى تزوير المحضر واستبداله بشخص آخر، في حبكة تضع المال في مواجهة العدالة، والسلطة في مواجهة الضعف.
وأول شرارة للجدل لم تكن مرتبطة بالقصة بقدر ما كانت مرتبطة بالشكل. ظهور نضال السعدي دون لحيته التي اعتاد عليها الجمهور قسم المتابعين إلى فريقين: أحدهما رأى في الإطلالة الجديدة جرأة فنية، والآخر لم يتقبل التحول.
وكتبت إحدى المعلقات مدافعة "من حق الممثل أن يغيّر شكله ويجرب أدواراً مختلفة. النقد الفني مرحّب به، لكن السخرية من الشكل والتنمر مرفوضان". واعتبر آخر أن السعدي "ممثل مجتهد يسعى كل عام لتقديم شخصية مختلفة رغم صعوبات الإنتاج وهيمنة منطق الأرقام والإشهار".
بينما يرى بعض المتابعين أن أداءه في الحلقتين الأوليين لم يكن مقنعاً بالكامل، وأن "هناك شيئاً لم يمرّ بسلاسة". بين هذا وذاك، بدا واضحاً أن الرهان هذه المرة لم يكن سهلاً، خاصة وأن السعدي يحاول كسر الصورة النمطية التي ارتبطت به في أدوار سابقة.
واشتعل الجدل الأكبر بعد عرض مشهد المحكمة، البعض رأى أن المحامي في المسلسل جسّد واقع فئة من المحامين الذين "يتلاعبون بالقضايا"، موجهاً التحية في المقابل إلى "كل محامٍ شريف يخاف الله ولا يخشى قول الحق".
لكن أصواتاً أخرى، من بينها متابعون أكدوا دراستهم للقانون، حيث اعتبرت معلقة أن المرافعة احتوت على خلط قانوني واضح، خاصة في الجمع بين طلب "عدم سماع الدعوى" و"الإيقاف التحفظي"، ووصفت المشهد بأنه يفتقر إلى المنطق الإجرائي. أحدهم علّق بسخرية: "القانون ليس زينة في مشهد… تغيير كلمة قد يغيّر مصير إنسان".
كما طالت الانتقادات شكل قاعة المحكمة، حيث رأى البعض أنها لا تعكس واقعية الفضاء القضائي التونسي، مؤكدين أن الدراما حين تقترب من تفاصيل حساسة كالقضاء، تصبح مطالبة بدقة مضاعفة.
ولم يغب عن النقاش اتهام العمل بالتشابه مع الفيلم المصري "واحد من الناس" من بطولة كريم عبدالعزيز، والذي عُرض عام 2006. بعض المعلقين اعتبروا أن الخطوط العريضة متقاربة: شاب بسيط، حادث يقلب حياته، ظلم يقوده إلى مواجهة مع أصحاب النفوذ.
في المقابل، يرى آخرون أن فكرة "الإنسان البسيط في مواجهة منظومة فاسدة" ليست جديدة في الدراما العربية، وأن الحكم النهائي يجب أن يُبنى على تطور الأحداث والمعالجة الدرامية، لا على التشابه الأولي في المنطلقات.
وبعيداً عن الجدل، حظي المسلسل بإشادة واسعة لطرحه قضايا تمسّ الواقع التونسي والعربي: سطوة المال، المخدرات، الصراع بين الحق والباطل، وتأثير التكنولوجيا على العلاقات الإنسانية.
كثيرون رأوا أن "أكسيدون" لا يحكي فقط عن حادثة، بل عن جيل تشكّل وعيه عبر الشاشات. التكنولوجيا في العمل ليست ديكوراً، بل لاعباً خفياً يحرّك المصائر: بث مباشر يدمّر وظيفة، صورة تلمّع سمعة، وتعليق قد يشعل حملة.
إحدى اللقطات التي أثارت إعجاب المتابعين كانت مشهد استضافة والد كريم وهو صاحب مصحة خاصة في برنامج تلفزيوني بهدف تلميع صورته، قبل أن ينفعل خلف الكواليس حين خرج الحوار عن النص المتفق عليه. مشهد رأى فيه البعض إسقاطاً واضحاً على علاقة الإشهار بالإعلام، وعلى الازدواجية بين الخطاب العلني والسلوك في الكواليس.
ويشارك في بطولة المسلسل إلى جانب نضال السعدي عدد من نجوم الشاشة التونسية، من بينهم محمد علي بن جمعة وفريال يوسف وأحلام فقيه وأسامة كشكار وجهاد الشارني وعزيز الجبالي، في توليفة تجمع بين الخبرة والوجوه الشابة.
وسواء اتفق الجمهور أو اختلف، يبدو أن "أكسيدون" نجح في أمر أساسي: تحريك النقاش، فقد أعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة متجددة حول مسؤولية الدراما في تمثيل الواقع، وحدود الحرية الفنية، ودقة التفاصيل حين يتعلق الأمر بمهن حساسة، إضافة إلى سؤال أكبر عن تأثير التكنولوجيا في تشكيل مصائر الناس.
ومع توالي الحلقات، يبقى السؤال مفتوحاً: هل سيستطيع العمل الحفاظ على زخمه الدرامي وإقناع المشككين، أم أن الجدل سيظل أقوى من الحكاية نفسها؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بكشف إن كان "أكسيدون" سيترسخ كأحد أبرز أعمال الموسم… أم سيبقى مجرد ظاهرة جدلية عابرة في ذاكرة رمضان.