أوهام السياسي

زيف غالباً ما يكون عائقا أمام بناء المشترك بين الشعوب، ضلال عالقة ومستبطنة تخرج للعلن عندما تنكشف أطراف تحرك خيوط اللعبة، وهي نتاج للخلل في قراءة الواقع.

يمتلك السياسي المتمرس في الفعل والعمل آليات في حل المعضلات بالطريقة الصحيحة؛ قدرة تنم عن حنكة وتجربة في التعاطي مع الملفات والقضايا الشائكة. السياسة لا يتم توريثها للأبناء، وليست جينات وسمات ثابتة تنتقل بالوراثة؛ لأنها الفعل الذي يكبر في الإنسان بالممارسة والاحتكاك. السياسة فن التأثير في الجماهير وصناعة القرارات الناجعة، وهي فن للتدبير والتسيير تحتكم إلى مؤسسات فاعلة وقوانين منظمة تمنح الشعوب الصلاحية والتفويض للحاكم المدني والحكومة المنتخبة. ينوب الحاكم عن الكل في العمل مقابل امتيازات وحرية التصرف دون القفز على القوانين والتشريعات.

الصلاحيات المطلقة غير قائمة في عالم اليوم، فقد ولّى الحكم المطلق ولا أحد فوق القانون، ولا سلطة تعلو على السلطة التشريعية. الحاكم المسلح بالقوة المجتمعية والإرادة العامة هو الحاكم الذي يدرك أن الحكم تكليف وليس تشريف، وأنه أداة في تحقيق غايات الدولة والمجتمع. والغايات هنا نابعة من الفعل القائم على السلم والخير والمنفعة للجميع، بحيث يعمل الحاكم على تقوية الروابط بين المجتمع والدولة وبين الفرد والمؤسسات، وتقوية الدولة بالانفتاح وجلب الخيرات والدفاع عن مصالح المجتمع.

وعندما نقرأ التاريخ السياسي للعالم نلتقي بشخصيات سياسية لا تمتلك من الحنكة والتبصر في القيادة والزعامة إلا النزر القليل؛ لأسباب تتعلق بالطابع السلطوي والاستبدادي، أو بناء على نزوات الحاكم وطغيانه، أو لصفات معينة في غياب الحكم الرشيد. ولعل الفيلسوف أفلاطون في كتاب "الجمهورية" حاول الربط المتين بين السياسة وصفات مهمة في رجل السياسة، كالاعتدال والتوازن النفسي والنظر العقلي وقوة الجسد والشجاعة والعفة، وكلها صفات مفروض أن تتوفر في الصفوة الحاكمة من الملوك الفلاسفة الذين تدربوا وتمرسوا بالمران والتعليم والانتقاء الحسن.

والحياة الكريمة والسعادة كما يشير لذلك أرسطو تتحقق بفعل انتماء الإنسان للجماعة، وبفعل الروية وحسن التدبير، ولا يمكن أن تقع الحروب بوجود مواصفات حكيمة في السياسة والسياسي. هناك نماذج من شخصيات سياسية في التاريخ لم تكن متوازنة سكنها جنون العظمة والاندفاع نحو القوة، من نيرون وموسوليني وأمين عيدي وأدولف هتلر. جذور الاستبداد قائمة في نزوعات الفرد نحو القوة والتدمير، والسبيل نحو المجد والعظمة حيث تنتهي القوة إلى التلاشي والتداعي. السقوط في نعيم القوة يترك صدمات وجروحاً في النفس وكدمات في الوجدان غائرة وعميقة في اللاشعور؛ فذاكرة الشعوب تحتفظ بماضيها والتاريخ لا ينسى.

يولد الاحتقان والتدمير في النفوس نزعة الانتقام ولو بعد حين. الصين التي تقدم نفسها اليوم للعالم كانت عرضة للاستعمار والإهانة، لكن حكماءها قرروا عدم التوسع واختاروا مبدأ الدفاع وتحصين الحدود، وهي حضارة قائمة على الاحتواء الذاتي وصيانة الذات من كل هجوم وغزو. تلك مبادئ في الحكمة راسخة في الثقافة الكونفوشوسية، كما ترغب الصين الآن في تسويق نموذجها في التجارة والاقتصاد وتنأى بنفسها عن الحروب المباشرة؛ فمبدأها عدم إطلاق رصاصة واحدة ولن تسمح بالرصاصة الثانية. وعندما تخاطب العالم بهذا الخطاب تريد القول لأعدائها أنها جاهزة للفعل ولا تخشى أحداً، وبالمقابل لا ترغب في الحرب ولن تكون المبادرة منها.

يصاب الزعيم السياسي بالوهم في فكرة تحقيق النبوءة من منطلق اعتقاد راسخ غير عقلاني، ذي طابع ديني ووجداني، ويمكن أن يكون ذا طابع نفسي شخصي في الهيمنة والقدرة على السيطرة؛ الوهم بالعظمة والمجد التاريخي وحق الإنسان في تملك الأجساد والنفوس وتقسيم العالم بين طبقتين: السادة والعبيد، الصفوة والقطيع. عندما تدرس الفعل والانفعال تنتابك الحيرة والقلق من سيكولوجية السياسي الذي يكون غالباً متقلب المزاج ومندفعاً ومقتنعاً بأفكاره الراسخة.

جزء كبير من الحقيقة الذاتية قائمة على أوهام ومفعمة بالكذب ضرورية في حفظ البقاء حسب نيتشه، والحقيقة مجرد أوهام نسينا أنها كذلك. تغلغلت الأوهام في ذهن الزعيم السياسي وشكلت رؤية أحادية للحقيقة، وإذا كانت الأوهام لا تعكس الواقع فإنها تنطلق من الوجدان لتعبر عن المصير وكيان الجماعة التواقة للبقاء والاستمرارية؛ أوهام مثبتة في القلوب والعقول.

إن الحرب الدائرة في الشرق لا تخرج عن قناعة رجل واحد اسمه "نتانياهو" في معركة آخر الزمان؛ معركة بين الحق والباطل تعني العودة والسيطرة على العالم من قبل صفوة تمتلك المال والريادة في الأعمال وقوة المعرفة والإيمان بالأفضلية على سائر الأمم، تلتقي مع ''المسيحية الصهيونية'' في الأهداف والغايات. تبسيط الفكرة يبدأ من الحروب وإشعال الفتن في العالم والقفز على القانون الدولي وعدم الركون للخطابات الرنانة والشعارات الأخلاقية، وفكرة الالتزام بالسلام العالمي تظل رهينة الهيمنة وتحقيق الأهداف والنوايا.

العالم بدأ يغرق في الفوضى، والبداية من الفوضى الخلاقة وتفكيك الكيانات المتراصة وخلخلة الثوابت والمبادئ؛ فلا شيء يبقى منظماً ولا شيء يبقى على طبيعته. إنها معركة وجودية فاصلة بين الخير والشر، المعركة التي قال عنها بوش الابن في حرب الخليج إنها "معركة مقدسة" بين قوى الخير الممثلة في أمريكا وحلفائها وقوى الشر من الدول المارقة. فلا تقتنع أمريكا بعالم متعدد الأقطاب والاعتراف بالكيانات العريقة في التاريخ.

الناس لا تحب أن تسمع الحقيقة، ومنذ القديم والناس تعاقب من يقول الحقيقة. كما قال نيتشه عندما دخل إلى أعماق سيكولوجية الإنسان في محاولة لفهم نوازعه النفسية والفكرية. الإنسان الجمل حامل لأثقال القيم والمبادئ الراسخة من الماضي، الإنسان الذي يعتقد في نفسه مدافعاً عن الحق لذاته دون غيره. كيف يمكنك إقناع العالم بقوة أفكارك؟ وكيف يمكن للسياسي بناء العالم على فكرة أحادية قائمة في المعتقد الديني والثقافي؟

تتعدد الحضارات في العالم ولكل حضارة تاريخ وقيم، والشعوب تلتقي في تبادل للخيرات وتلتقي اليوم في الأمم المتحدة للحد من الحروب والنزاعات لاجتراح الحلول والتقليل من الأزمات المتنامية. أوهام سياسية غالباً ما تكون عائقا أمام بناء المشترك بين الشعوب؛ أوهام عالقة ومستبطنة تخرج للعلن عندما تخرج أطراف تحرك خيوط اللعبة، وهي نتاج للخلل في القراءة للواقع وللتشويه الذي يصيب الفكر؛ وهم الذات وهم المعرفة والوهم الذي يصيب الإدراك المحدود لعالم التنوع والتعدد، أو الوهم الناتج عن القوة المفرطة والاعتقاد الخاطئ في القدرة على الفعل والتغيير كما اعتقد "هتلر" في السيطرة على العالم، أو أوهام فرنسا في إفريقيا، أو الوهم في الخلود للإمبراطوريات.

الوهم يصطدم بالحقيقة ويقظة الشعوب، وينعكس على صاحبه عندما يتجرع مرارة الإخفاق والفشل. وهم الرئيس "نتنياهو" في إقامة إسرائيل الكبرى وخلق شرق أوسط جديد بمنظار إسرائيلي تكون فيه إسرائيل القوة الإقليمية الوحيدة، وأوهام "ترامب" أن يصير إمبراطوراً في تنفيذ سياسته خيار السلام بالقوة، وأوهام وزير الحرب الأمريكي في قيادة الجيوش للقضاء على الجميع؛ وهم العودة لاستلهام الحروب الصليبية بمثابة العودة للقرن الحادي عشر الميلادي. تهافت القول المفعم بالتحريض والعداء خطاب لا يستحق أن يصدر في دولة ظلت تتباهى بالحقوق والحريات.

إننا لسنا بحاجة للعودة إلى الماضي، فالإنسانية جمعاء ترغب في ركوب أمواج التغيير والتطور وأن يعم السلام ويتحقق عالم متعدد الأقطاب وعولمة بالمنطق الدولي وليس بالمنطق الليبرالي الغربي. هناك جدلية الصراع بين الرؤى والأفكار يمكن أن تصب في هذا الحلم القائم؛ أن يتحقق حلم الصين من خلال مشروع "الحزام والطريق" وتعميم التجارة والمنفعة على الجميع دون سياسة التبعية، وأن تلتقي إفريقيا بأوروبا عبر مشروع نفق جبل طارق. تلتقي الحضارات الإنسانية في الكوني والمشترك بعيداً عن سياسة الدولة العميقة وبعيداً عن المخططات العدائية لمن يحركون اللعبة السياسية ويرغبون في تدمير العالم.

سياسيون مرضى يقبعون في كهفهم الخاص، يطرحون الأفكار السامة ويلتفون على الوسائط في تحقيق مكرهم. الحرب الآن في الشرق حرب رجل واحد اسمه نتانياهو؛ من لبنان إلى غزة واليمن وأخيراً إيران، حرب بدوافع دينية وسياسية (أرض إسرائيل الكبرى وأرض الميعاد). يعيد تكرار هذا النوع من الخطاب في المحافل الدولية لإقناع العالم بعدالة الحرب بناء على نبوءة توراتية. إسرائيل كيان عاش على الحروب، وأمريكا دولة قائمة عاشت على الحروب كذلك؛ فمتى تهدأ أمريكا في حروبها وتميل لخطاب السلام حتى يأتي رئيس ويدخل في حرب جديدة؟ تحافظ أمريكا على وحدتها وسيادتها من التمزق وصراع الهويات القاتلة من خلال الحروب الخارجية؛ عمرها ليس بالبعيد بالقياس مع حضارات الشرق لكنها في أشد تخوفها على المصير والزعامة؛ لذلك تلتقي مع إسرائيل في سياسة واحدة.

أوهام السياسي لابد أن تصطدم بإرادة الشعوب الرافضة للعبودية والحروب. والآن بعد أزيد من أسبوعين من الحرب على إيران لا زالت إسرائيل تترنح وتستوعب الصدمات من القصف المتواصل، لا زالت أمريكا تترنح كذلك من القصف لبوارجها والهجوم بالمسيرات على قواعدها، وإيران بدورها تقصف الكل في تصعيد متزايد واستهداف للبنية التحتية. الدول العربية تلتزم بمبدأ ضبط النفس وعدم الانجرار للحرب، كما تلوح في الأفق الحرب الاقتصادية من خلال منع عبور السفن من مضيق هرمز.

والخاسر الأكبر هي شعوب العالم عندما يزيد سعر الغاز وتزيد الأسعار وتتراكم الأزمات دون حلول. لقد وقع العالم ضحية جنون بعض القادة والزعماء الفاشلين؛ ضحية للتهور والوهم السياسي. عندما أصبحت الديمقراطية تأتي بشخصيات متهورة بات العالم في خطر وجودي، والأيام القادمة كفيلة بإظهار الوجه البشع للسياسة.