إدواردز تصف جَمل أسوان بأنه حيوانٌ يستخدم 'لغة بذيئة'

الروائية والصحفية الانكليزية ترى أن 'سفينة الصحراء" يحمل 'كراهية شخصية' لراكبه منذ اللحظة الأولى، شرس، متعجرف يعاند في المسير خاصة في الطرق الوعرة.

الجِمال وسيلة النقل والترحال في الصحراء، كما أنها تشكل مصدرًا للغذاء، لطيب لحومها، وحليبها الغني بالبروتيين، ومصدرًا للصوف الذي يؤخذ من وبرها، ثم يتم نسجه لصنع الملابس والخيام والبُسُط، بالإضافة إلى أنها وسيلة تسلية ورياضة في الاحتفالات والسباقات (مثل سباق الهِجن).

وقد نجح الإنسان في استئناس الجمل قبل عدة آلاف من السنين، وهناك اعتقاد بأن الجمال العربية لم تكن أليفة قبل بضعة آلاف من السنين، بل كانت حيوانات برية في شبه الجزيرة العربية. ويُعد (الجمل العربي ذو السنام الواحد) جزءًا أصيلاً من البيئة والتراث المصري، حيث تستخدم بشكل أساسي في النقل، والزراعة، والسياحة، والإنتاج الحيواني (لحوم وألبان). وتنتشر تربيته في المناطق الصحراوية.

وقد تنقَّلت الروائية والصحفية والرحَّالة الإنكليزية أميليا ب. إدواردز - والتي لُقبتْ بـ"الأم الروحية لعلم المصريات" - بالجمل مع أصدقاء رحلتها إلى مصر خلال سنتي 1873 و1874، ووصفت استخدامها وركوبها الجمل في أسوان في كتابها "ألف ميل صعودًا في نهر النيل"  أو "رحلة الألف ميل"، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1876 فأصبح أكثر الكتب مبيعًا في العالم، ثم صدرت طبعته الثانية عام 1888.

ويبدو أن ركوب الجمل كان جزءًا من برنامج الرحلة، وجزءًا من برنامج كل مُترجم، ويُعد الإنجاز الأبرز لكل سائح، لكنها لاحظت أن المصريين أنفسهم يقومون بهذه الرحلات القصيرة بشكل أكثر متعة وسرعة على ظهور الحمير. إنهم يحرصون جيدًا، في الواقع، على عدم تسلق قمة الجمل إذا كان بإمكانهم تجنب ذلك. ولكن بالنسبة للمسافر أو السائح سريع التأثر، فإن جَمل أسوان أمر لا غنى عنه من اهتماماته.

وهي تصف الجِمال -التي رأتها في رحلتها- بالحيوانات الرباعية الشرسة المزينة بالشراشيب والجلد، التي أُخذت من عملها المعتاد، وتُعرض جيئةً وذهابًا في مكان الإنزال. إن نقل البضائع التي تُنزل أعلى وأسفل الشلال هو مهنتها. وبما أنها أُخذت من هذه المهنة الشريفة لتؤدي دورًا في مسرحية صغيرة سخيفة أُعدّت خصيصًا لتسلية السياح، فلا عجب أن تكون هذه الحيوانات سيئة المزاج أكثر من المعتاد.

وعلى الرغم من وصفها للجِمال على تلك الطريقة فإنها ذكرت بعض المزايا، ليس أقلها أنها تُمكّن المرء من إدراك نوع العمل الذي ينطوي عليه أي من رحلات الصحراء المنتظمة. إنها تُخوّل المرء الادعاء بمعرفة سفينة الصحراء. رغم أن هذا الأمر سيكون حكمًا سريعًا على مؤهلات الجمل. وسرعان ما تذكر فضائل الجمل التي على الأقل يجب الاعتراف بها. إنه يحمل خزَّان ماء عذب في معدته؛ وهو أمر جدير بالثناء. لكن الخزَّان لا يحسِّن مِشيته ولا مزاجه - وهما بغيضان-. إنه لا تشوبه شائبة كحيوان مجتر، ولكنه عرضة للعديد من الاعتراضات كحصان.

وتعلن إدواردز أنه من غير السار، في المقام الأول، ركوب حيوان لا يعترض فقط على ركوبه، بل يكنُّ كراهية شخصية قوية لراكبه. ومع ذلك، فهذه هي غرابة أطواره المحببة.

رحلة على الجمال
الإبل تلجأ لعض أقدام راكبها لإيذائه

وتخاطب راكب الجمل الأجنبي فتقول: أنت تعلم أنه يكرهك، من اللحظة التي تدور فيها حوله لأول مرة، متسائلاً من أين وكيف تبدأ صعود سنامه. إنه في الواقع لا يتردد في إخبارك بذلك بأوضح العبارات. إنه يسبُّ بحرية بينما أنتَ تجلس عليه؛ ويهدر إذا تحركت في السرج؛ ويحدق في وجهك بغضب، إذا حاولت تحريك رأسه في أي اتجاه غير الاتجاه الذي يفضله بنفسه. إذا ثابرت، فإنه يحاول عض قدميك. إذا لم يُجدِ عض قدميك نفعًا، فإنه يستلقي.

وتلاحظ رائدة علم المصريات الإنكليزية أن استلقاء الجمل ونهوضه هما أداتان مصممتان لغرض صريح هو إلحاق أذى جسدي خطير براكبه. يُقذف مرتين إلى الأمام ومرتين إلى الخلف، ويُضرب في "ريحه" ويتضرر في عموده الفقري، ويتلقى المبتدئ التعيس أربع صدمات متميزة، كل منها أكثر عنفًا من الأخرى وغير متوقع من سابقتها. لأن هذا (الجَمل) "الأحدب البغيض" مصنوع بشكل مخيف ورائع. لديه مفصل زائد في مكان ما في ساقيه، ويستخدمه للانتقام من البشر. لكن خطواته أكثر تعقيدًا من مفاصله وأكثر إرهاقًا من طبعه. لديه أربع خطوات: مشية قصيرة، مثل تمايل قارب صغير في بحر هائج؛ مشية طويلة تخلع كل عظمة في جسدك؛ هرولة تُحولك إلى معتوه؛ وعَدوٌ هو موت مفاجئ. يحاول المرء عبثًا أن يتخيل جريمة لا يكون فيها العذاب الشديد لمدة ست عشرة ساعة على ظهر الجمل كفارة كاملة وكافية. إنها عقوبة لا يرغب المرء طواعيةً في أن يكون وسيلة لإدانة أي إنسان بها.

إنها تتأمل الجِمال البُنيّة والبيضاء التي كانت على ضفة النهر طوال اليوم للإيجار. إنها جِمال كثيفة الشعر وجِمال ناعمة؛ جميعها مزينة بشراشيب صوفية زاهية على رؤوسها، وسجَّادات مُلقاة فوق سروجها الخشبية العالية، كمأوى لها. وتصف لحظة ركوبها وأصدقائها الجِمال فتقول: لقد كانت لحظة مهيبة عندما اخترنا دوابنا، واستعددنا لمواجهة مخاطر الصحراء المجهولة. ما العجب إذا تبادل الزوجان السعيدان وداعًا مؤثرًا عند الفراق؟

"امتطينا الجِمال وانطلقنا، يتبعنا عفريتان من الظلام (حارسان أسودان) على أعقاب جِمالنا، وكان الحارس سلامة يؤدي دور الحارس الشخصي. وهكذا، وجدنا أنفسنا نتأرجح ونتدحرج بسرعة حملتنا إلى أعلى المنحدر، مرورًا بضاحية مليئة بالمقاهي وفتيات يرقصن بابتسامات عريضة. وإلى الصحراء كان طريقنا لأول نصف ميل أو نحو ذلك حيث تقع المقابر".

هناك شاهدت الكاتبة مقبرة إسلامية عظيمة، جزء منها قديم وجزء حديث، تغطي مساحة أكبر من المدينة نفسها. كما رأت عشرات المساجد الصغيرة، يعلو كل منها قبة صغيرة، وجميعها متداعية إلى حد ما، وسط برية من شواهد القبور المتناثرة. بعضها معزول؛ وبعضها مجمع معًا بشكل خلاب. كل منها يغطي، أو من المفترض أن يغطي، قبر أحد مشايخ المسلمين؛ لكن بعضها مجرد مصليات تذكارية مخصصة للمشايخ والشهداء المدفونين في أماكن أخرى من بين شواهد القبور البسيطة المشوَّهة والمحطمة والمقلوبة، والمكدسة ظهرًا لظهر على أكوام من الحجارة المتناثرة، أو المتراكمة في أكوام مكسورة ومُهانَة، لا بد أن هناك المئات. معظمها مستدير من الأعلى كالمسلات المصرية القديمة، وتحمل نقوشًا منحوتة بدقة، بعضها مكتوب بالخط الكوفي، ويعود تاريخها إلى أكثر من ألف عام. عندما تميل الشمس غربًا وتطول الظلال، يبدو على هذه المدينة الميتة في الصحراء القاحلة شيء غريب من الكآبة والجمال. 

إنها ترى هذا وتسجله في تلافيف مخها وهي على ظهر جملها. وبعد مغادرة المقابر، اتجهت القافلة نحو اليسار، نحو المسلة في المحجر، وهي المعلم الرئيسي للمكان.

لقد رأت إدواردز الأفق وراء أسوان محاطًا من جميع الجهات بمرتفعات صخرية، جريئة وخلابة في شكلها، لكنها بالكاد عالية بما يكفي لتستحق اسم الجبال. القاع الرملي تحت أقدام جِمالنا مفروش بالحصى الصغيرة، وهو متماسك إلى حد ما. تظهر هنا وهناك صخور متجمعة من الجرانيت الأسود والأحمر منقوشة بكثرة بسجلات هيروغليفية، وتعمل كمعالم حيثما دعت الحاجة إلى المعالم. لأنه لا شيء أسهل من أن يضل المرء طريقه بين هذه المنحدرات البُنية، وأن يتيه، مثل بني إسرائيل التائهين، في الصحراء.

بينما كانت المجموعة تتجول -على جِمالها- بين التلال المتموجة ومساحات الصخور المتدحرجة، وصلوا إلى مجموعة صغيرة من المنحدرات، حيث توقفت الجمال عند سفحها دون دعوة. هنا ينزلون، ويتسلقون منحدرًا قصيرًا، ويجدون صخرة ضخمة عند أقدامهم. ونظرًا لأن هذه الصخرة مقطوعة أفقيًا، فإنها مدفونة جزئيًا في الرمال المتراكمة، ولا يوجد ما يدل على أنها لم تُفصل تمامًا وجاهزة للنقل. ومع ذلك، عرفوا أن القطع السفلي لم يتم أبدًا، وأنها لا تزال واحدة مع القاع الجرانيتي الذي يبدو أنه يستقر عليه.

لقد مرت مجموعة إدواردز في طريقها بواحة صغيرة فيها جِمال وبئر وناعورة (ساقية) مائية خاملة، وبقعة من الشعير الأخضر الزمردي، ثم عادوا إلى مشارف أسوان على جِمالهم، وتمكنوا من رؤية معبد صغير نصف مدفون من العصر البطلمي في منخفض كئيب على حافة الصحراء.

جمال أسوان
'من غير السار ركوب حيوان يعترض على ذلك'

ما تزال آثار الألوان ظاهرة على الكرة المجنحة أسفل الكورنيش الأسواني، وعلى بعض النقوش البارزة المشوَّهة على جانبي المدخل الرئيسي. ولأنهم رأوا أن الداخل كان مليئًا بالقمامة، لم يحاولوا الدخول، بل انطلقوا مرة أخرى – على جِمالهم - دون أن يترجلوا.

أدركوا أنه لا تزال هناك ساعة من ضوء النهار، فرغبوا التوجه إلى قمة أقرب تل لمشاهدة غروب الشمس. من الواضح أن هذا كان ابتكارًا لم يسمع به أحد من قبل حدّق بهم رُعاة الجمال، وهزّوا رؤوسهم، واحتجّوا قائلين: "لا طريق"، وبدا واضحًا أنهم ينظرون إليهم كالمجانين. غرست الجمال أقدامها المتباعدة بعناد في الرمال، وحاولت العودة، وعندما اضطروا للاستسلام لظروف الطريق، شتمتهم الجِمال وسبَّتهم طوال الطريق.

عند وصولهم إلى القمة، وجدوا أنفسهم ينظرون إلى جزيرة الفنتين. كان النيل والمدينة والدهبيات (المراكب أو السفن) عند أقدامهم. إلا أن امتدادًا للحافة التي كانوا يقفون عليها، كان يؤدي إلى مرتفع آخر يعلوه قبر مهدم، وبدا أنه يبشر برؤية الشلال. ولما رأوا رُعاة الجمال أنهم يستعدون للمتابعة، ثاروا عليهم غضبًا واحتجاجًا، لولا عصا سلامة الغليظة لكانت انتهت بتمرد صريح. ومع ذلك، واصلت مجموعة إدواردز التقدم، وما زالت الجَمال غير راضية، وأصرَّت المجموعة على تسلق قمة ثالثة.

واصل رُعاة الجمال سيرهم في يأسٍ كئيب. كانت الشمس تغرب؛ وكان الطريق شديد الانحدار وصعبًا؛ وسيأتي الليل قريبًا. إذا اختار الهوادجي كسر أعناقهم، فلن يهم ذلك أحدًا سواهم؛ ولكن إذا كُسرت الجِمال أعناقهم، فمن سيدفع ثمنها؟

هكذا كانت مشاعر الشباب النوبيين التي عُبِّر عنها نصفها بالعربية الركيكة ونصفها بالإيماءات. ولم تكن الجِمال نفسها أقل تأكيدًا.

لقد ابتسمتْ الجِمال؛ وشمّت؛ وشخرت؛ وهدرت؛ وسبَّت وشتمتْ وتنازعت على كل قدم. بالنسبة لإدواردز بدا الجملُ في هذه الأثناء ''وحش أخرق، متعجرف، بعين محمرة وأنف روماني متضرر''. إنها لم تسمع في حياتها حيوانًا غبيًّا يستخدم كل هذه اللغة البذيئة.