إرث الباحة يعانق الحاضر في السعودية
الباحة (السعودية) ـ تحتفي منطقة الباحة بثرائها التراثي وتنوعه اللافت، تزامنًا مع اليوم العالمي للتراث الموافق لـ18 أبريل/نسيان، في مناسبة تسلط الضوء على ما تزخر به المنطقة من معالم تاريخية ومواقع أثرية تعكس عمقا حضاريا ضاربا في جذور التاريخ. وتبرز الباحة بوصفها واحدة من أهم المناطق السعودية التي حافظت على إرثها الثقافي، حيث تتجسد في تضاريسها وعمارتها وأنماط حياتها ملامح حضارة متوارثة عبر الأجيال.
وتكشف الإحصاءات الصادرة عن هيئة التراث حجم هذا الغنى، إذ تحتضن المنطقة ما يقارب 313 موقعا أثريا، إلى جانب 2634 موقعا للتراث العمراني، تشمل القرى التقليدية والمباني التاريخية التي شيدها الأجداد في بيئات متنوعة تمتد بين السراة وتهامة.
وأسهم هذا التنوع الجغرافي في تشكيل أنماط معمارية مميزة، تأقلمت مع الطبيعة الجبلية والمناخ، واعتمدت على مواد محلية كالحجارة والطين، ما منحها طابعًا فريدًا يجمع بين البساطة والوظيفية.
وتزخر قرى الباحة بمعالم تاريخية تعود إلى قرون مضت، من أبرزها قرية ذي عين التي تُعد نموذجًا فريدًا للقرى الجبلية المبنية من الحجر الأبيض، إلى جانب قصر بن رقوش وقلعة بخروش، فضلًا عن قرى الخلف والخُليف والأطاولة والعبادل، وحصن الملد وقرية الموسى. وتُجسد هذه المواقع ملامح الحياة التقليدية، وتعكس تفاعل الإنسان مع بيئته عبر حلول معمارية مبتكرة تراعي الظروف الطبيعية والاجتماعية.
وتمثل هذه القرى سياحية مميزة تجمع بين جمال الطبيعة والأصالة الثقافية. إذ توفر للزوار تجربة متكاملة تتيح لهم استكشاف تفاصيل الحياة القديمة، والتعرف على العادات والتقاليد والفنون الشعبية التي تشكل جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية. كما تسهم هذه المواقع في دعم الاقتصاد السياحي، من خلال جذب الزوار وتعزيز الاستثمار في قطاع السياحة الثقافية.
وفي هذا السياق، تشهد المنطقة جهودا متواصلة للحفاظ على هذا الإرث، عبر تنفيذ مشاريع متخصصة للترميم والتأهيل، تهدف إلى صون المواقع التاريخية وضمان استدامتها للأجيال القادمة. وقد عملت أمانة منطقة الباحة، بالتعاون مع البلديات التابعة لها، على تطوير البنية التحتية المحيطة بهذه المواقع، من خلال تحسين الطرق والإنارة والمرافق، بما يسهم في تسهيل الوصول إليها وتعزيز تجربة الزوار.
وبالتزامن مع اليوم العالمي للتراث، أطلقت أمانة المنطقة مبادرة نوعية تهدف إلى تعزيز الوعي بالمواقع التراثية، وإبراز ما تحمله من قيمة حضارية وثقافية. وأوضح أمين المنطقة علي بن محمد السواط أن هذه المبادرة تعتمد على توظيف التقنيات الحديثة، من خلال توزيع رمز استجابة سريع (باركود) يتيح الوصول إلى خريطة تفاعلية شاملة، تمكن المستخدمين من استكشاف أبرز المعالم والتعرف على تفاصيلها التاريخية بسهولة.
وتشمل هذه الخريطة عددا من المواقع البارزة، من بينها قرية ذي عين وقرية الأطاولة وقرية الملد، إضافة إلى سوق السبت التاريخي والحصون والقلاع المنتشرة في مختلف محافظات المنطقة، ومن أبرزها قلعة بخروش بن علاس، التي ترتبط بتاريخ الدولة السعودية الأولى وما شهدته من أحداث ونضالات.
وتسهم هذه المبادرة في تحسين تجربة الزائر، من خلال توفير معلومات موثوقة وسهلة الوصول، كما تعزز الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على التراث بوصفه جزءًا لا يتجزأ من الهوية الوطنية. ويعكس هذا التوجه حرص الجهات المعنية على توظيف التكنولوجيا لخدمة الثقافة، وربط الماضي بالحاضر بأساليب مبتكرة.
وتتميز الباحة بتراث غني من الصناعات والحرف اليدوية التي لا تزال حاضرة في حياة المجتمع المحلي، مثل صناعة الفخار والنسيج والسلال، فضلًا عن الأزياء التقليدية والحُلي والأكلات الشعبية. وتمثل هذه العناصر امتدادًا لذاكرة المكان، حيث تُروى من خلالها قصص الإنسان في المنطقة، وتعكس مهاراته وإبداعه في التكيف مع البيئة.
وتقع منطقة الباحة في جنوب غرب المملكة، ضمن سلسلة جبال السروات، وتتميز بطبيعتها الخلابة التي تجمع بين الجبال الشاهقة والوديان الخضراء، إلى جانب مناخها المعتدل الذي يجعلها وجهة مفضلة للسياح. وقد أسهم هذا التنوع الطبيعي، إلى جانب غناها الثقافي، في تعزيز مكانتها كوجهة سياحية تجمع بين الاستجمام والاستكشاف.
في المحصلة، تمثل الباحة نموذجا حيا لمنطقة استطاعت الحفاظ على إرثها الثقافي، مع الانفتاح على التطوير والتحديث. وبين القرى الحجرية العتيقة، والحرف التقليدية، والمبادرات الحديثة، تتجدد الحكاية، ويستمر التراث في أداء دوره بوصفه جسرًا يربط الماضي بالحاضر، ويعزز الشعور بالانتماء والهوية.