إستراتيجية 'حافة الهاوية' مع إيران مع ضبط الإيقاع

ضبط حالة من التوتر المحسوب يضمن مزيداً من الضغط السياسي على إيران وتحصيل أكبر قدر من التنازلات.

خلال الشهر الأخير، لمسنا تصاعداً في الأحداث بالمنطقة وتوسع نطاقها بشكل كبير، في إطار محاولات إسرائيل والولايات المتحدة إرساء ضوابط وتوازنات جديدة، بعد عامين ونصف من الحروب والاضطرابات المستمرة. وبعد تهدئة الجبهات المشتعلة في غزة ولبنان وإيران ومع اليمن، تتوجه الأنظار لجني النتائج؛ لذلك كانت طهران هي الهدف، فقد تبقت الأخيرة كقوة معارضة ذات بال لتوجهات واشنطن وإسرائيل في المنطقة، دون تلقي ضربة قاضية أو معطلة. وتهدد الولايات المتحدة وإسرائيل بشن حرب جديدة عليها إذا لم توافق على شروط البلدين، إذ يدور الحديث حول تعطيل العمل بالملف النووي الإيراني والصواريخ الباليستية، ووقف دعم إيران لجماعات إقليمية مسلحة.

وتضغط الأطراف المتحاربة أو المتفاوضة خلال الشهر الأخير، في محاولة من كل طرف لجني أفضل النتائج في معركة تبدو حاسمة. وتتأرجح التحليلات حول مدى إمكانية حدوث ضربة عسكرية قوية ضد إيران تزيح الولايات المتحدة من خلالها نظام الجمهورية الإسلامية بالكامل، وبالتالي حسم أمر الجبهة الإيرانية المعارضة من جذورها، أو الوصول لاتفاق يشل خطرها وتهديداتها لسنوات قادمة. ولا تخفي إسرائيل رغبتها في القضاء على النظام الإيراني من أساسه، وتحبذ حرباً أميركية طاحنة عليها، ولا تفضل مسار الدبلوماسية والمفاوضات الذي دُشّن مطلع الشهر الجاري بين واشنطن وطهران، وتشترط نتائج حاسمة في القضايا الثلاث المتعلقة بالملف النووي، والصاروخي الباليستي، ودعم إيران لحلفائها، وهو ما يبدو صعب التحقق. وبينما لم يخفِ ترامب رغبته في إسقاط النظام الإيراني ودعم الاحتجاجات التي تفاقمت الشهر الماضي ضده، إلا أن تماسك النظام وعدم سقوطه، والوصول لنتائج تعكس فشل الاعتماد على تلك المقاربة، فتح الطريق لمحاولة واشنطن التالية.

بدأ التحشيد العسكري الأميركي في المنطقة نهاية الشهر الماضي، باستدعاء مزيد من الترسانة العسكرية عما كان عليه الوضع خلال حرب الـ 12 يوماً في العام الماضي. وبإعلان أميركي مقصود، تشير واشنطن إلى أنها حشدت ترسانة عسكرية جوية تتفوق على تلك التي كانت خلال حربها مع العراق في العام 2003. وتعلن الولايات المتحدة بين الفينة والأخرى عن ترحيل موظفيها أو تدعو رعاياها للخروج من دول المنطقة، كما تحدثت مؤخراً التقارير الأميركية عن استعداد واشنطن لسحب قواتها من سوريا، رغم عدم ربط ذلك بأي حرب قادمة في المنطقة. وتواصلت واشنطن مؤخراً مع العراق مهددة بضرورة ضبط وجود السلاح والجماعات المسلحة في البلاد؛ يأتي ذلك في ظل مفاوضات بين واشنطن وطهران بدأت مباشرة مع التصعيد الأميركي الحاشد للترسانة العسكرية. فمع مطلع الشهر الجاري، بدأت جولة المفاوضات الأولى في مسقط، لحقتها أخرى في جنيف بعد ما يقرب من أسبوعين، واليوم تبدأ الجولة الثالثة دون أن يحقق أي منها تقدماً ملموساً. وكان ترامب قد هدد خلال الجولة الثانية بأن أمام إيران مدة تتراوح بين عشرة أيام وأسبوعين لتقرر خلال المفاوضات إما التفاهم وإما دفع الثمن.

في المقابل، تستخدم إيران أيضاً أدواتها لتعزيز موقفها التفاوضي، لكنها لا تخفي عدم رغبتها في خوض حرب أخرى مع الولايات المتحدة. فقد اختارت طهران يوم بدء الجولة الثانية من المفاوضات للإعلان عن إغلاق مؤقت لمضيق هرمز بحجة تدريبات عسكرية، مما أثار قلقاً من إمكانية حدوث ذلك السيناريو في حالة الحرب، خصوصاً لأهمية المضيق كمنفذ لخُمس بترول العالم وكمية كبيرة من الغاز. ولا يبدو الإعلان عن صفقة لشراء صواريخ متقدمة من الصين خلال الفترة الحالية عابراً، تماماً كما جرى الحديث عن صفقة عسكرية أخرى مع روسيا؛ فإيران أيضاً تستدعي عوامل إبراز قوتها كعناصر معطلة أو رادعة بهدف منع الحرب، وإن أكدت استعدادها لخوضها والرد بقوة في حال حدوث أي اعتداء عليها.

ورغم كل تلك التطورات، إلا أن هناك ثلاثة عوامل لا ترجح الحرب الشاملة مع إيران؛ فالتوجه نحو الدبلوماسية يبدو الطريق المفضل لدى واشنطن، وحتى الحرب المحدودة التي تهدد بها تأتي كأحد عوامل الضغط لفرض اتفاق. يأتي ذلك في ظل توافر عدد من عوامل الضعف التي اجتمعت في هذه الفترة تحديداً لدى طهران، بعد ضربات القدرة النووية في الحرب الأخيرة، والاضطراب الداخلي بسبب الاحتجاجات، والتعقيدات الاقتصادية نتيجة تشديد الحصار الأميركي الغربي، وتأثيرات الحرب التي انخرطت فيها مؤخراً، وتخلخل جبهات حلفائها الإقليميين.

لعل السبب الأول والأهم هو تكاليف الحرب الباهظة؛ إذ إن تقديرات تكلفة الحروب التي شنتها واشنطن على أفغانستان والعراق لا تزال تشكل عبئاً على صانع القرار الأميركي، وتقدر بـ8 تريليونات دولار. ويتقاطع مع ذلك عدم القدرة على حسم المعركة والقضاء على النظام من خلال سلاح الجو فقط، والحاجة لغزو بري شبيه بما حدث في العراق، وهو ما يعد شديد التعقيد بالنسبة لواشنطن، خصوصاً بعد تجربة سابقة لا تُقيّم بشكل إيجابي في مجملها.

لا يقل العامل الثاني أهمية، والمتمثل في الرفض الواسع والمتعدد الاتجاهات للحرب، فإسرائيل هي الوحيدة التي تريدها وتدعمها. أما الجبهة الأميركية، ممثلة بمراكز التفكير الكبرى والرأي العام والجهاز التشريعي، فترفض ذهاب واشنطن إلى حرب شاملة ضد إيران، خصوصاً بسبب التكلفة الاقتصادية. وتميل مراكز التفكير لإبراز ثمن هذه الحرب على واشنطن، وترى عدم وجود تهديد إيراني مباشر على الولايات المتحدة، وتجد في ذلك فرصة لدعوة واشنطن لتنفيذ استراتيجيتها المتمثلة في الانسحاب العسكري من المنطقة. وتمثل تلك المراكز أهمية خاصة لصانع القرار الأميركي والجهات التشريعية التي تستعين بأبحاثها في جلسات استماع متخصصة. كما أن غالبية الشارع الأميركي ترفض الحرب وفق استطلاعات الرأي. وخارج النطاق الأميركي، ترفض دول إقليمية مركزية شن هذه الحرب، بل إن الموقف الرافض يوحد جبهات مختلفة مثل السعودية والإمارات وقطر وتركيا، التي تتدخل لدى واشنطن لإقناعها بتجنب التصعيد.

يرتبط العامل الثالث بالجانب الاقتصادي الذي يركز عليه الرئيس دونالد ترامب بشكل خاص. فالتصعيد المحسوب حالياً والممتد طوال فترة المفاوضات يضمن ارتفاعاً مستمراً في أسعار النفط، وما يتبعه من ارتفاع في سعر الدولار وأسهم شركات الطاقة والسلاح. إلا أن الوصول لحالة "الحرب المدوية" قد يحدث صدمة في الأسواق وتقلبات حادة وتضخماً يؤثر سلباً على النمو الاقتصادي. وإذا ربطنا ذلك بخطاب ترامب الذي يبني نجاحه على قوة الدولار ونمو الأسهم وتقليل الحروب المكلفة، يتضح المغزى من إطالة أمد التوتر الحالي.

إن ضبط حالة من التوتر المحسوب يضمن مزيداً من الضغط السياسي على إيران وتحصيل أكبر قدر من التنازلات. وبعد أن كان الحديث يدور حول الملف النووي، بات ترامب يتحدث عن خطر الصواريخ الباليستية على واشنطن، وهو ادعاء بعيد عن الواقع، لكنه يخدم سيادة حالة التوتر التي تعود بمرابح آنية على الاقتصاد الأميركي. أما الحرب الشاملة فتبقى غير مرجحة في ظل حسابات الإدارة الحالية والرفض الواسع لها.