إعادة 'برمجة' للمفاصل تفتح الباب لطي صفحة استبدال الركبة والورك
ساكرامانتو - من مختبرات "ستانفورد ميديسين" في كاليفورنيا تأتي بارقة أمل قد تغيّر حياة المسنين؛ فبعد نجاح تجربة إعادة تنشيط غضاريف المفاصل لدى فئران متقدمة في السن، يبدو أن العلم يقترب أكثر من أي وقت مضى من "علاج جذري" للفصال العظمي، ينتقل فيه الطب من مرحلة تسكين الأوجاع إلى مرحلة البناء والترميم الشامل.
كشفت سلسلة من الدراسات المتلاحقة بين عامي 2025 و2026 عن تحول جذري في فهمنا لمرض "فصال العظام" (Osteoarthritis)، ممهدة الطريق لإنهاء حقبة "إدارة الألم" والدخول في عصر "إصلاح المفاصل" الجذري.
وبدأت الحكاية من دراسة رائدة أجريت على الفئران، نجحت في تتبع مسببات فقدان الغضاريف المصاحب للشيخوخة وصولاً إلى بروتين منفرد، مما يشير إلى قرب التوصل لعلاجات قد تعيد يوماً ما القدرة على الحركة وتنهي معاناة كبار السن.
هذا البروتين، الذي يُعرف اصطلاحاً باسم 15-PGDH، بات اليوم في مرمى نيران الباحثين بعدما ثبت ارتباطه الوثيق بعملية الهرم؛ إذ تزداد وفرته بشكل ملحوظ مع تقدمنا في العمر، مسبباً تداخلاً سلبياً مع الجزيئات المسؤولة عن ترميم الأنسجة وكبح جماح الالتهابات.
وقد دفع هذا الارتباط علماء جامعة "ستانفورد" المرموقة إلى تقصي دور هذا البروتين في فصال العظام، حيث تؤدي الضغوط الميكانيكية والإجهاد المفصلي إلى تحلل كولاجين الغضاريف، مما يسفر عن دورة مؤلمة من الالتهاب المزمن.
وفي التجارب السريرية المخبرية على فئران مسنة، حدث ما وصفه العلماء بالمعجزة؛ إذ استعادت غضاريف الركبة المتآكلة سماكتها بعد حقن "مثبط" لبروتين 15-PGDH.
ولم تتوقف النتائج عند هذا الحد، بل أثبت المثبط كفاءة وقائية عالية في فئران شابة تعرضت لإصابات مفصلية، مانعاً تطور فصال العظام الناتج عن الصدمات.
وعندما استحث الباحثون إصابة تعادل تمزق الرباط الصليبي الأمامي لدى الفئران وطبقوا العلاج، لم يتطور المرض كما هو متوقع في الحالات الطبيعية، بل بدا الغضروف المسن المعالج في صور مجهرية مصبوغة باللون الأحمر مطابقاً في حيويته للغضاريف الفتية السليمة.
ويكمن الجوهر الثوري في هذا البحث، وفقاً لما نشرته مجلة "Science" ف، في الاستغناء التام عن "الخلايا الجذعية" التي كانت حجر الزاوية في المحاولات السابقة لتجديد الأنسجة.
فبدلاً من استزراع خلايا غريبة، نجح تثبيط بروتين 15-PGDH في تحفيز "الخلايا الغضروفية" (Chondrocytes) الموجودة أصلاً داخل المفصل، محولاً إياها إلى حالة وظيفية وصحية أكثر فاعلية.
وعلقت عالمة الأحياء الدقيقة بستانفورد، هيلين بلاو، قائلة: "كنا نبحث عن خلايا جذعية، لكن تبين أنها ليست المعنية بالأمر، ما يحدث هو طريقة جديدة تماماً لتجديد الأنسجة البالغة، وهذا يحمل وعوداً سريرية هائلة".
ما يحدث هو طريقة جديدة تماماً لتجديد الأنسجة البالغة، وهذا يحمل وعوداً سريرية هائلة
وقد انعكست هذه النتائج على سلوك الفئران المعالجة التي أظهرت مشية أكثر ثباتاً وقدرة أكبر على تحميل الوزن على أطرافها المصابة، وهي مؤشرات حيوية على تراجع مستويات الألم.
ولم تتوقف الأبحاث عند النماذج الحيوانية، بل تم اختبار العلاج على عينات أنسجة بشرية حقيقية مأخوذة من مرضى خضعوا لعمليات استبدال الركبة، وجاءت النتائج لتبدد الشكوك؛ حيث أظهرت الأنسجة البشرية علامات تجدد واضحة، وأصبحت الغضاريف أكثر صلابة وانحسرت فيها الالتهابات بشكل درامي. وأوضحت عالمة العظام نيدهي بوتاني أن هذه الآلية المدهشة غيرت منظور العلم حول كيفية حدوث التجديد النسيجي عبر استهداف أنماط التعبير الجيني للخلايا الموجودة بالفعل.
وفي مطلع عام 2026، تعزز هذا المشهد بدراسة لافتة كشفت أن عقار "سيماغلوتيد" (المشهور كعلاج للسمنة) يوفر حماية مفصلية بآلية مستقلة تماماً عن فقدان الوزن. ووجد فريق بحثي صيني أميركي مشترك أن هذا العقار يعيد برمجة عملية التمثيل الغذائي داخل خلايا الغضاريف، مما يمنحها طاقة أكبر للترميم.
وفي المقارنة بين فئران عولجت بالعقار وأخرى فقدت الوزن عبر نظام غذائي فقط (مجموعة التغذية المزدوجة)، لم تحصل المجموعة الأخيرة على نفس الحماية، مما يثبت أن العقار يستهدف كيمياء المفصل مباشرة، ويقلل من النتوءات العظمية والآفات الغشائية.
وعلى صعيد موازٍ، يشهد هذا العام ظهور تقنية "أنظمة التوصيل البطيء" للدواء؛ حيث تشير أبحاث (قيد المراجعة) إلى أن حقن نظام مصمم هندسياً داخل المفصل المصاب يمكنه تحفيز خلايا العظام والغضاريف للقيام بإصلاح شامل في غضون أسابيع. وصرحت المهندسة ستيفاني براينت من جامعة "كولورادو بولدر" بأن الطموح انتقل من مجرد معالجة الأعراض إلى السعي الجاد للقضاء على المرض نهائياً، مع توقعات ببدء التجارب السريرية خلال 18 شهراً.
وهذا التراكم العلمي، الذي يربط بين تثبيط بروتين الشيخوخة 15-PGDH وبين إعادة البرمجة الأيضية للمفاصل، يضعنا على أعتاب مستقبل قد تخلو فيه السجلات الطبية من عمليات استبدال الورك والركبة.
ومع كون فصال العظام أحد أكثر الأمراض تقييداً للحركة عالمياً، فإن هذه الاختراقات، التي لم تظهر تجاربها الأولية أي مخاوف تتعلق بالسلامة، تفتح الباب على مصراعيه لترميم ما أفسده الدهر بيولوجياً، وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء للمفاصل الهرمة.