إليوت: لا يحمل النهر زجاجات فارغة
بقلم: قيس مجيد المولى
يفسر إليوت مجريات الحياة على أساس التكامل الكلي، بالبحث ما بين اللغة عما يخلق الأثر الخارق لإستفزاز طاقة الكلمة وإيقاعها من خلال الإستخدام الصحيح والفائق لوسائل الشعر الفنية بمزيد من الجهد الذي يصل حد الإعياء للوصول الى مسمى الألم الخارق، يريد أليوت أن لا تقف الرؤيا بحدود ذلك، وإنما إستقراء متواليات ما بعد تلك الحدود، أي الإحاطة بأضخم كم من الموجودات ليستطيع التعبير عن موروثات عديدة منها الفكري والديني والعاطفي.
الإنفلات من الذّهن
وكل هذه الموروثات لا يعبر عنها شعرياً ضمن الحاجة الآنية للشاعر أو بشكلها الفردي، وإنما ضمن العام والجمعي، إن هناك موضوعات ينظر إليها إليوت من خلال تأثيرها الكلي وما فيها من عناصر التضاد والقدرة على الإنفلات من تأثير الذهن لتحقيق عملية صهر الذهن لا عملية مزجها لتؤدي وظائفها في معناها، حيث يكون الحدث عبوراً لحدثٍ آخر وبرهانا على قول الكثير في سردٍ يفيض بالسرد وقلب المعنى للحيلولة دون أن تأخذ المتشابهات حيزا لها في النص، وبهذا المعنى فإن إليوت يمارس إقصاء لغته للتهيؤ للكتابة بلغة جديدة:
لا يحمل النهر زجاجات فارغة
ولا أوراقاً تُلف بها السندويتشات
ولا مناديل حريرية، ولا صناديق كارتونية
ولا أعقاب اللفافات
أنتَ يا نهر التايمس الجميل، تسلسل في نعومة
لأني، لا أرفع صوتي، ولا أطيل كلامي
ولكني من ورائي
أسمع قعقعة العظام تنتقل من أذن إلى أذن
لذلك عند أمواهك
جلست وبكيت
الغابة الفوضوية
إن خيال أليوت خيالٌ مرتبطٌ بالإحساس بالإيقاع وقد خلق هذا الإرتباط الدقة، وكذلك التسلسل غير المنطقي للكلمات، لذلك فإن إليوت ينتمي في تجربته الشعرية إلى كون تجربة الشعر تجربة لغة لكنها ليست تحت تأثير المستوى الشمولي للعاطفة، أي أنه يرى أن هناكَ انفصالا ما بين الكلمات ومؤثراتها من الشخنات الإنفعالية، فاللغة تعني الصور والإيقاع والتحسس الجمالي والمضمون الذي يقبع فيه سر اللغة والذي يعبر إليوت عنه بالإيحاء وخلق الصور الشعرية التي تعطي أكثر وأوسع من دلالتها الرمزية، ورغم ذلك فهو يشير إلى بعض الإشكاليات الدينية والسياسية والتي يعتبرها جزءاً من التجربة الإنسانية لخلق ما أسماه "بالغابة الفوضوية" والتي لا بد أن ينتشر بين مدياتها النور على مساحة أوسع، وهو مدخل من مداخل إليوت نحو الصوفية التي تحسس القاريء بالرهبة والإحتقان الخشوعي:
أيها النور المحجوب إياك نحمد
نحمدك لكل ضوء أشعلناه
نحن نرى الضوء
لا نرى من أين يصدر
نظرتنا إلى الأعماق
وأعيننا تنظر الى الأعلى.
من المحسوس الى اللأمرئي
يعرض إليوت مستويات متباينة من الوعي على صعيدي البيئة والأفراد ضمن نسقه الدرامي لصالح سلطته على اللغة أي سلطة مكوناته النفسية الإبداعية وليست سلطة إدراك العقل للأشياء، صور تشترك بها الألوان والإيقاعات والإنتقال المتفاوت للعبارات موازٍ للشكوك واللامنتهيات، وهي دورة إخصاب كاملة لتظل المفردة تزدوج على نفسها لتكوين خليطها القياسي والذي يخلو من التحسس بعنصري الزمان والمكان، وتلك ضرورة لازمة لتسوية صراع الأضداد لبيان المغزى والأهمية حين التحول من قصد لأخر من مبهم إلى محسوس، ومن محسوس إلى اللامرئي، وهو ليس بالمنظور أو المتصور:
ولكن فهم
نقطة التلاقي بين اللازمني والزمن
وأكثرنا إلا اللحظة العابرة
هنا يقهر الماضي والمستقبل
ليتم التصافي بينهما
إن التأمل في الكون أحد أهم الأشياء التي شغلت أسئلة إليوت المتزايدة عن الكون وهي أسئلة غزيرة بمعناها وشموليتها وكانت إجابته عليها:
كل ما نملكه هو من حقنا في الإختيار
فأما نار شهواتنا المدمرة
أو النار المفزعة المبهمة
نار الحب الإلاهي.