إيران تؤكد قدرتها على الصمود وترفض التفاوض تحت القصف
واشنطن/طهران - تزايدت في الأيام الأخيرة المؤشرات السياسية على احتمال اقتراب نهاية الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، رغم استمرار العمليات العسكرية واتساع تداعياتها الاقتصادية على أسواق الطاقة العالمية، ففي الوقت الذي يتحدث فيه مسؤولون أميركيون عن نهاية قريبة نسبيا للصراع، تؤكد طهران أنها قادرة على الصمود وترفض أي مفاوضات مع واشنطن في ظل استمرار الهجمات.
وقال مسؤولون في الإدارة الأميركية إن المعطيات الحالية تشير إلى أن الحرب قد تنتهي خلال أسابيع قليلة، في تقييم يعكس اعتقادا في واشنطن بأن العمليات العسكرية حققت أهدافا مهمة وأن مسار الصراع يتجه نحو الحسم. وأكد وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت أن جميع المؤشرات تدل على أن الصراع لن يطول، مضيفا أن الحرب "ستنتهي بالتأكيد خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وربما قبل ذلك".
ويرى المسؤولون الأميركيون أن نهاية الحرب ستؤدي إلى تحسن سريع في أسواق الطاقة العالمية، خاصة بعد الاضطراب الكبير الذي شهدته خلال الأسابيع الماضية. وأوضح رايت أن عودة الإمدادات النفطية إلى الأسواق ستخلق ضغوطا نزولية على الأسعار، في إشارة إلى توقعات بانخفاض أسعار النفط بعد انتهاء الصراع واستئناف حركة الملاحة الطبيعية في الخليج.
لكن هذه التوقعات الأميركية تقابلها رسالة إيرانية مختلفة، إذ تؤكد طهران أن موقفها لا يزال قويا وأنها لا ترى أي سبب للدخول في محادثات مع الولايات المتحدة. وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن بلاده لم تطلب وقف إطلاق النار ولم تسع إلى التفاوض، مؤكدا أن إيران مستعدة للدفاع عن نفسها "مهما استغرق الأمر".
وأضاف أن ما يحدث لا يمثل "حرب بقاء" بالنسبة لإيران، بل مواجهة يمكن لطهران تحمل تبعاتها، مشددا على أن البلاد "مستقرة وقوية بما يكفي" لمواصلة القتال. كما نفى تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب قال فيها إن إيران تسعى إلى التفاوض، مؤكدا أن طهران كانت بالفعل في حوار مع واشنطن عندما بدأت الهجمات الأميركية.
وجاءت هذه التصريحات في وقت هدد فيه ترامب بشن المزيد من الضربات العسكرية، خصوصا على جزيرة خرج التي تعد المركز الرئيسي لتصدير النفط الإيراني. وقال إن الضربات الأميركية دمرت جزءا كبيرا من المنشآت في الجزيرة، ملمحا إلى إمكانية تنفيذ هجمات إضافية.
ويمثل هذا التصعيد في الخطاب الأميركي تحولا ملحوظا بعد أن كانت واشنطن تؤكد في البداية أن عملياتها العسكرية تستهدف مواقع عسكرية محددة فقط. كما تشير تصريحات ترامب إلى استمرار الضغط العسكري في محاولة لتسريع نهاية الصراع.
ميدانيا، تتواصل العمليات العسكرية بين الطرفين مع اتساع نطاق المواجهة في المنطقة، فقد أعلن الحرس الثوري الإيراني إطلاق موجة جديدة من الصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه إسرائيل وثلاث قواعد أميركية في الشرق الأوسط، في رد على الضربات التي استهدفت مواقع داخل إيران.
وفي المقابل، قال الجيش الإسرائيلي إنه قصف أهدافا في غرب إيران، من بينها مقرات للحرس الثوري ونقاط تفتيش تابعة لقوات الباسيج في مدينة همدان. كما تحدثت مصادر مطلعة عن شروع إسرائيل في استهداف طرق وجسور تعتقد أن قيادات الحرس الثوري تستخدمها في تحركاتها العسكرية.
وتأتي هذه التطورات العسكرية في وقت تتصاعد فيه التداعيات الاقتصادية للحرب، خصوصا على أسواق الطاقة العالمية، فقد أدى الصراع إلى تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، والذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.
ورغم استمرار عبور بعض السفن الإيرانية، فإن المضيق بات مغلقا فعليا أمام معظم حركة الشحن الدولية منذ بدء الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير/شباط. وأدى ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط إلى نحو 100 دولار للبرميل وإلى اضطرابات واسعة في حركة التجارة العالمية.
وفي محاولة للتخفيف من تأثير الأزمة، أعلنت وكالة الطاقة الدولية أن النفط من احتياطياتها الطارئة سيبدأ بالتدفق إلى الأسواق العالمية قريبا، بعدما تعهدت الدول الأعضاء بإتاحة أكثر من 400 مليون برميل لتعويض النقص في الإمدادات.
كما تأثرت البنية التحتية للطاقة في المنطقة بشكل مباشر بالقتال، إذ أُغلق مركز الفجيرة العالمي لتزويد السفن بالوقود في الإمارات لفترة قصيرة بعد تعرضه لهجمات مكثفة قبل أن يستأنف عملياته لاحقا.
وفي ظل استمرار المخاطر على إمدادات الطاقة، دعت الولايات المتحدة عددا من الدول الصناعية الكبرى، بينها الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا، إلى المشاركة في جهود تأمين الملاحة البحرية وإعادة فتح مضيق هرمز.
كما يبحث الاتحاد الأوروبي إمكانية توسيع مهمة "أسبيدس" البحرية التي تحمي الملاحة في البحر الأحمر لتشمل مضيق هرمز، في حين تسعى فرنسا إلى تشكيل تحالف دولي لتأمين هذا الممر الحيوي بمجرد استقرار الوضع الأمني.
ومع دخول الحرب أسبوعها الثالث، تبدو الصورة متشابكة بين توقعات أميركية بنهاية سريعة للصراع وإصرار إيراني على مواصلة المواجهة. وبين هذين الموقفين، تبقى أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي الأكثر تأثرا بتطورات حرب قد تحدد نتائجها شكل التوازنات في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.