إيران تتجاوز الخطوط الحمراء ودول الخليج تتفادى حربا مفتوحة
الرياض/أبوظبي- شهدت منطقة الخليج خلال الأسابيع الماضية تصعيدا غير مسبوق من قبل إيران، تجاوزت فيه الخطوط الحمراء بتوجيه هجمات صاروخية وبالمسيرات على سبع دول عربية، ردا على العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية في الأراضي الإيرانية، مبررة تلك الهجمات باستهداف مصالح أميركية في مخالفة صريحة للقانون الدولي باعتبار أن دول المنطقة التي سبق لها وحذرت من أي حرب جديدة، لم تكن طرفا في الهجوم الأميركي الإسرائيلي وتصرفت في ردها بناء على حماية أمنها وسيادة أجوائها والتزمت بالقانون الدولي.
وفق الإحصاءات الرسمية، فقد أطلقت إيران ما لا يقل عن 2300 صاروخ وطائرة مسيرة، إضافة إلى طائرتين مقاتلتين، مستهدفة الإمارات والكويت وقطر والبحرين والأردن والسعودية وعُمان، ما أسفر عن قتلى وجرحى وأضرار مادية في منشآت مدنية وحيوية.
وتأتي هذه الهجمات في إطار تصعيد متبادل، إذ بدأت إسرائيل والولايات المتحدة منذ 28 فبراير/شباط الماضي سلسلة عمليات عسكرية ضد إيران أودت بحياة مئات الأشخاص، بينهم مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي ومسؤولون أمنيون. وعلى الرغم من أن طهران تصف استهدافها للدول العربية بأنه يستهدف "مصالح أميركية"، إلا أن العديد من هذه الهجمات خلفت خسائر مدنية مباشرة، ما أثار إدانات عربية ودولية واسعة.
حصيلة الهجمات الإيرانية على الدول العربية
وكانت الإمارات أكثر الدول العربية تعرضًا للاستهداف، حيث رصدت وزارة الدفاع إطلاق 196 صاروخًا باليستيًا، تم تدمير 181 منها، فيما سقط 13 صاروخًا في مياه البحر وصاروخان داخل الأراضي الإماراتية. كما تم إطلاق 1072 مسيرة، تم اعتراض 1001 منها، وسقطت 71 مسيرة داخل الأراضي الإماراتية، إلى جانب 8 صواريخ كروز تم تدميرها. وأسفرت هذه الاعتداءات عن مقتل 3 أشخاص وإصابة 94 آخرين.
وتعرضت الكويت بدورها للاستهداف بـ212 صاروخا و394 طائرة مسيرة، بينما رصدت قطر 101 صاروخًا باليستيًا، 39 مسيرة انتحارية، وطائرتين هجوميتين من طراز 'سوخوي 24'. كما تعرضت قطر لهجوم إضافي شمل 10 طائرات مسيرة وصاروخين كروز. وتصدت البحرين لـ74 صاروخًا و95 مسيرة، في حين أعلن الأردن عن اعتراض 49 صاروخًا ومسيرة على الأقل.
وسجلت السعودية استهدافات بـ3 صواريخ و16 مسيرة، بالإضافة إلى هجمات محدودة على مصفاة رأس تنورة والسفارة الأميركية في الرياض، فيما تعرضت سلطنة عمان لعدوان بثماني مسيرات على الأقل استهدفت ميناء صلالة وخزانات الوقود في ميناء الدقم، مع إسقاط ثلاث مسيرات دون وقوع خسائر بشرية.
استهداف الطاقة والموانئ والمطارات
ولم تقتصر الهجمات على المدنيين فحسب، بل طالت البنية التحتية الحيوية، حيث استهدفت إيران منشآت الطاقة والمطارات والموانئ، ما أحدث تأثيرات سلبية على اقتصادات الدول المستهدفة، فاضطرت السعودية، لتحويل شحنات النفط من الخليج إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، لتفادي مضيق هرمز الذي أصبح تحت "السيطرة الكاملة" بحسب تصريحات نائب قائد البحرية الإيرانية.
وشهدت البحرين حريقًا محدودًا في مصفاة 'بابكو إنرجيز' إثر هجوم صاروخي، في حين أعلنت قطر "القوة القاهرة" على إنتاج الغاز الطبيعي المسال بسبب الهجمات. وسجلت كل من الكويت وسلطنة عمان أضرارًا بموانئهما النفطية، بما في ذلك هجوم زورق مسير على ناقلة نفط عمانية.
وشهدت الموانئ الخليجية الرئيسية انخفاضًا كبيرًا في حركة السفن، بما في ذلك موانئ جبل علي وخليفة والدمام، كما أوقفت شركة 'ام اس سي' أكبر شركة نقل حاويات عالمية شحناتها إلى وجهات الخليج. في المقابل، أكدت بعض الموانئ مثل ميناء خليفة في أبوظبي استمرار العمل بكامل طاقتها التشغيلية.
أما المطارات، فقد تأثرت جزئيًا، حيث استؤنفت الرحلات في مطارَي أبوظبي ودبي بعد توقف مؤقت، مع تأكيد شركات الطيران مثل طيران الإمارات على الالتزام بمعايير السلامة وتكييف العمليات وفق المستجدات الأمنية.
وعلى الرغم من حجم الاستهداف وتنوعه، التزمت الدول العربية بالدفاع عن أراضيها ضمن إطار القانون الدولي، متجنبة الانجرار إلى فخ التصعيد الذي تحاول إيران رسمه، فقد قامت الدول المعنية بالاعتراض والتدمير المكثف للصواريخ والمسيرات قبل وصولها لمواقع حساسة، مع الحفاظ على استمرارية عمل البنية التحتية الحيوية والحد من الخسائر البشرية، في ما يعكس استجابة محسوبة ومدروسة.
كما أدان مجلس التعاون الخليجي الاعتداءات الإيرانية، مؤكدًا أنها تشكل انتهاكًا صارخًا لسيادة الدول العربية وتهديدًا للأمن الإقليمي، داعيًا المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم لمنع المزيد من التصعيد. وتبرز هذه التطورات حرص الدول العربية على الموازنة بين الدفاع عن سيادتها والحفاظ على استقرار المنطقة، دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة قد تزيد من تعقيد الأزمة.
وتأتي هذه المرحلة كتحصيل ردة فعل مدروسة من إيران لإظهار قدرتها على الضغط على حلفاء الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، مع إبقاء احتمالات التصعيد تحت السيطرة نسبياً، بينما تركز الدول العربية على حماية شعوبها ومصالحها الاستراتيجية، بما في ذلك الطاقة والموانئ والمطارات، ضمن قواعد القانون الدولي، لتجنب أي استفزاز إضافي يتيح لإيران تبرير المزيد من الهجمات.
ويبقى السؤال الأكبر حول قدرة إيران على مواصلة استهداف دول عربية دون دفع ثمن سياسي وعسكري فادح، وما إذا كانت الاستراتيجية الإيرانية تنحصر في الضغط التكتيكي لوقف الهجمات الأميركية والإسرائيلية، أو تصعيد مفتوح يهدد استقرار المنطقة على المدى الطويل. وحتى الآن، تشير المعطيات إلى أن الرد العربي محسوب ومحدود، يركز على الدفاع والحماية، مع تجنب أي استفزاز إضافي، في إطار مواجهة فخ التصعيد الإيراني دون الانجرار إلى حرب مفتوحة.