إيران تربط مسار التفاوض مع أميركا بمعادلة الردع العسكري
طهران - في لحظة إقليمية دقيقة تتقاطع فيها الدبلوماسية مع استعراض القوة، اختارت طهران أن تفتح فصلًا جديدًا من رسائلها المزدوجة: وفد تفاوضي يتوجه إلى أوروبا لمناقشة مستقبل البرنامج النووي، وفي الوقت ذاته وحدات بحرية تتحرك في أحد أكثر الممرات حساسية في العالم. هذا التزامن لم يكن عابرًا، بل يعكس مقاربة إيرانية تقوم على تثبيت معادلة مفادها أن مسار التفاوض لا ينفصل عن ميزان الردع على الأرض.
وجرت المناورات التي أعلن عنها الحرس الثوري في مضيق هرمز، الشريان البحري الذي تعبره نسبة تقارب خُمس تجارة النفط العالمية يوميًا. وبحسب ما أوردته وكالة تسنيم للأنباء، فإن التدريبات تحمل عنوان "التحكم الذكي في مضيق هرمز"، وتهدف إلى اختبار الجاهزية العملياتية ومراجعة خطط التعامل مع سيناريوهات تصعيد محتملة. اختيار التسمية بحد ذاته يوحي بأن طهران تريد القول إنها لا تلوّح بالفوضى، بل تدير أوراقها بحسابات دقيقة.
وجاء توقيت التحرك البحري متزامنًا مع توجه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى جنيف للمشاركة في جولة جديدة من المحادثات مع الولايات المتحدة بوساطة من سلطنة عمان. وبينما كان الدبلوماسيون يستعدون لبحث تفاصيل تقنية تتعلق بالبرنامج النووي ومستويات التخصيب وآليات الرقابة، كانت الزوارق السريعة والوحدات الصاروخية تبعث برسالة موازية مفادها أن أي ضغط عسكري سيقابله رد في نقطة حساسة للاقتصاد العالمي.
ولم تخف واشنطن، من جهتها، انزعاجها من هذا الأسلوب. فمنذ عودة دونالد ترامب إلى تبني خطاب أكثر تشددًا حيال إيران، برزت سياسة تقوم على الجمع بين الانفتاح التفاوضي والتلويح بالقوة. وقد دفعت الإدارة الأميركية بتعزيزات بحرية إلى المنطقة، وأكدت أن حرية الملاحة في الخليج خط أحمر. القيادة المركزية الأميركية شددت مرارًا على أنها لن تتسامح مع "سلوكيات غير آمنة" من شأنها تعريض السفن العسكرية أو التجارية للخطر.
غير أن طهران ترى في ذلك بدورها استعراضًا للقوة يستوجب الرد بالمثل. فالمضيق الذي لا يتجاوز عرضه في بعض مناطقه ستين كيلومترًا يمثل ورقة ضغط استراتيجية بامتياز. أي تعطيل لحركة العبور فيه كفيل بإرباك أسواق الطاقة ورفع الأسعار عالميًا، وهو ما يمنح إيران نفوذًا غير مباشر حتى في ظل العقوبات. لهذا، اعتادت القيادة الإيرانية التذكير بأن السيطرة الجغرافية تمنحها أفضلية ميدانية في حال انزلاق الأمور إلى مواجهة مفتوحة.
والبعد الإقليمي حاضر بقوة في هذا المشهد. دول الخليج العربية، التي تعتمد اقتصاداتها على استقرار صادرات الطاقة، تجد نفسها معنية أكثر من غيرها بمنع تحول التوتر الأميركي–الإيراني إلى صدام مباشر. هذه العواصم، التي نسجت علاقات وثيقة مع واشنطن، تسعى إلى تشجيع خيار التهدئة. ومن منظور إيراني، فإن إبقاء التوتر تحت سقف محسوب يضمن استمرار الحراك الدبلوماسي الخليجي لتفادي الحرب، من دون تقديم تنازلات مجانية على طاولة التفاوض.
وفي المقابل، تصف الولايات المتحدة التلويح بإغلاق المضيق بأنه ابتزاز للمجتمع الدولي. مسؤولون أميركيون حذروا في أكثر من مناسبة من أن أي محاولة لعرقلة الملاحة ستُواجَه بإجراءات حازمة. وتؤكد واشنطن أن وجودها العسكري في المنطقة يهدف إلى حماية خطوط التجارة الدولية وليس إلى استفزاز طهران، لكنها في الوقت نفسه تواصل تعزيز انتشارها البحري والجوي كرسالة ردع واضحة.
ولم يقتصر التصعيد اللفظي على العاصمتين. شخصيات إيرانية بارزة، من بينها علي شمخاني، لوّحت بأن أي هجوم لن يبقى محصورًا في نطاق جغرافي ضيق، وأن الرد قد يمتد إلى أهداف في الإقليم، بما في ذلك مواقع مرتبطة بإسرائيل. هذه التصريحات تعكس توسيع دائرة الردع الإيراني لتشمل ساحات متعددة، في محاولة لرفع كلفة أي خيار عسكري محتمل.
ورغم حدة الخطاب، يحرص الطرفان على ترك نافذة مفتوحة أمام الحل السياسي. ترامب أعلن أكثر من مرة أنه يفضل اتفاقًا “أفضل وأقوى” بدل الذهاب إلى الحرب، لكنه شدد على أن الوقت ليس مفتوحًا بلا سقف. أما عراقجي، فأكد أن بلاده تدخل المفاوضات بأفكار “عملية وعادلة”، مع رفض قاطع لما وصفه بسياسة الإملاءات تحت التهديد.
اللافت أن تجربة السنوات الماضية أظهرت هشاشة الوضع في الخليج. حوادث احتكاك بحري، إسقاط طائرات مسيّرة، وضربات متبادلة عبر وكلاء إقليميين، كلها كادت أن تدفع المنطقة إلى حافة مواجهة شاملة. لذلك، ينظر مراقبون إلى المناورات الأخيرة باعتبارها جزءًا من لعبة عض أصابع محسوبة، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين شروطه من دون تجاوز الخط الذي يفصل الضغط عن الانفجار.
في المحصلة، تبدو المعادلة الراهنة قائمة على توازن دقيق: مفاوضات في القاعات المغلقة، واستعراض قوة في الممرات البحرية. وبين المسارين، يقف مضيق هرمز كعنوان لمعادلة الأمن والطاقة في آن واحد. فإما أن تفضي المحادثات إلى صيغة تخفف العقوبات وتحد من المخاوف النووية، أو يبقى المضيق ورقة جاهزة على الطاولة، تذكّر الجميع بأن أي خطأ في الحسابات قد يكلّف العالم أكثر من مجرد أزمة دبلوماسية.