استمرار التوتر في العلاقة بين صنعاء وواشنطن
يلحظ المراقب السياسي في اليمن تراجعا في الخطاب الحاد الذي وجهته وسائل الإعلام الحكومية ضد الولايات المتحدة وبعد أن شهدت العلاقات بين واشنطن وصنعاء خلال الأسبوع الماضي تدهورا لدرجة تلويح الحزب الحاكم باللجوء إلى طرد السفير الأميركي أدموند هول الخبير في مكافحة الإرهاب، والذي سلم أوراق اعتماده للرئيس اليمني علي عبد الله صالح في الأول من تشرين الأول/أكتوبر العام الماضي خلفا لبربارا بودين التي احتفظت بعلاقات ممتازة مع المسئولين اليمنيين طيلة فترة عملها كسفيرة لبلادها في اليمن.
وكانت الصحافة الحكومية قد كثفت في افتتاحياتها منذ أسبوع تقريبا هجومها على السياسة الأميركية وانتقاداتها اللاذعة لمواقف الإدارة الأميركية.
وأكد الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر رئيس مجلس النواب ورئيس لجنة القدس البرلمانية إن ما يواجهه الشعب الفلسطيني بأطفاله وشبانه وشيوخه ونسائه من قتل وتدمير ومجازر وخراب ودمار وجرف للأرض وقلع للأشجار لم يكن من قبل الكيان الصهيوني فحسب وإنما برعاية ومساندة الولايات المتحدة الأميركية.
وقال " إن واشنطن هي الحليف الاستراتيجي لإسرائيل، وهي التي تقف حجرة عثرة أمام تنفيذ القرارات الدولية التي تدين الكيان العبري، وتؤكد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. وتساءل: "هل بقي لدى حكام العرب والمسلمين من غيرة؟ وماذا ينتظرون بهذا الصمت المخزي والمشين؟".
وانتقدت صحيفة "الثورة" بشدة تصريحات لمسئولين أميركيين، من بينهم مستشارة الأمن القومي واتهمتها أنها "منحت الإرهابي الدولي شارون مهلة لتصفية أبناء الشعب العربي الفلسطيني الأعزل "، وإن مستشارة الأمن القومي قد قامت بتعزيز إسرائيل بالرؤية العملية اللازمة للإسراع بإنجاز أهداف الهجمة الصهيونية الوحشية والتوجه نحو المزيد من التصعيد".
وأشارت الصحيفة إلى أن البطء في تحرك وزير الخارجية الأميركية في جولته التي بدأت بعد أسبوعين من الهجمة الإسرائيلية وعمليات الإبادة الجماعية لأبناء الشعب الفلسطيني، تأتي لتؤكد الانحياز الأميركي الكامل لإسرائيل.
وتساءلت صحيفة "26 سبتمبر" التابعة للجيش والمقربة من القصر الرئاسي "متى تدرك الولايات المتحدة الأميركية أن المأزق الذي وضعتها فيه حكومة إسرائيل الفاشية العنصرية إنما هو عمل مليء بالخبث والمكيدة لها لكي تتقاسم معها عداء الشعوب العربية بفعل المجازر الوحشية وحرب الإبادة التي تنجزها إسرائيل اليوم بدباباتها ومدافعها ضد الشعب الفلسطيني الأعزل تاركة للولايات المتحدة بصورة مؤسفة تبرير ما تفعله وتقوم به تحت ذريعة ولافتة مكافحة الإرهاب تارة وتارة من أجل إيقاف العنف؟".
وأكدت "أن ظاهرة الارتباك في الخطاب السياسي والإعلامي الأميركي تؤكد بقوة وقوع الولايات المتحدة القطب الأقوى في عالمنا اليوم في براثن هذه المصيدة وشباك هذا المأزق".
وشددت الصحيفة على أن "لا أحد يستطيع السكوت عما يجري حتى ولو بقيت في نفسه قطرة من قيم وأخلاق إنسانية فطرية".
وتساءلت الصحيفة"ماذا تأمل الولايات المتحدة من الشعوب العربية من ردود فعل حيال ما يجري؟، هل ننتظر السكوت والاستكانة وهي الداعية للحرية والديمقراطية؟، وهل تريد أن تقمع الأنظمة العربية شعوبها وهل تسعى إلى خلخلة الأوضاع وانهيار المؤسسات وإدخال بلدان المنطقة في صراعات داخلية دموية؟".
وأعادت الصحيفة إلى الأذهان كيف تعاملت الإدارة الأميركية مع شعوبها عندما تدخل الجيش الأميركي في فيتنام وقالت "لم تقف الولايات المتحدة ضد شعبها لإيقاف استمرار الحرب في فيتنام ولم تتردد على الإطلاق في إسقاط النظام العنصري الكريه في يوغسلافيا وإنقاذ شعوب البوسنة والهرسك وكوسوفو من الإبادة والتصفية العرقية بقتل الأبرياء".
واعتبر مراقبون سياسيون نفي المصدر المسؤول لصحيفة "26 سبتمبر" الأنباء عن اتفاق جديد بشأن تموين السفن الأميركية في ميناء عدن مؤشرا على عدم الرضا الرسمي عن السياسة الأميركية تجاه القضية الفلسطينية ونوعا من احتواء الغضب الشعبي اليمني تجاه واشنطن، حيث أوضح المصدر، الذي لم تذكر الصحيفة هويته، "أن الاتفاق القديم الموقع بين البلدين بهذا الخصوص منذ ما قبل حادثة الهجوم على المدمرة كول في شهر أكتوبر تشرين أول/أكتوبر من العام 2000، ما زال ساري المفعول".
وأشار إلى أن فريقا فنيا أميركيا كان قد وصل إلى صنعاء في وقت سابق لبحث الترتيبات وكذلك بعض الإجراءات الاحترازية لعودة السفن الأميركية مجددا للتزود بالوقود من ميناء عدن في إطار الاتفاقية السابقة، وقال المصدر "إن الفريق الأميركي عاد إلى بلاده قبل أكثر من أسبوعين في حين لم تتخذ حتى الآن أي خطوات عملية باتجاه تزويد السفن الأميركية بالوقود أو يطرأ أي جديد حول هذا الموضوع".
وتفسر أوساط سياسية الحملة اليمنية على السياسة الأميركية وتلويح الصحف التابعة للحكومة بطرد السفير الأميركي واتهامه أنه يمارس دور المندوب السامي، بأن ذلك قد يعود إلى قيام السفير أدموند هول بممارسة ضغوط على الحكومة اليمنية بإيقاف حملات الكراهية التي تعاظمت بصورة لم تشهدها على طول الفترة الزمنية التي ربطت العلاقات اليمنية الأميركية وبمنع النشاطات السياسية والمسيرات الجماهيرية التي تشهدها الساحة كل يوم من دون تغطية إعلامية كافية.
ولكن مصادر إعلامية مقربة من الحكومة تنفي أن تكون العلاقات بين البلدين يشوبها أي خلاف كبير، بل على العكس فإن هناك تعاونا بدأ من خلال تحركات طيران أميركية مدنية تنقل منذ أسبوعين معدات غير معروفة إلى السفارة الأميركية في صنعاء، على الرغم أن مصادر معارضة، وفي نفس الوقت تتهمها أحزاب المجلس الأعلى للمعارضة بأنها محسوبة على الحكومة، ذكرت في صحيفتها "صوت المعارضة" أن طائرة أميركية مع طاقمها محجوزة بسبب إصرار السلطات اليمنية على تفتيش معدات مجهولة ومغلفة بطرود من الحجم الكبير خاصة بالسفارة، بينما يسعى السفير الأميركي لإقناع السلطات على اعتبار الطرود حقيبة ديبلوماسية، في حين يتولى فريق من السفارة الأميركية التواصل مع طاقم الطائرة الرابضة في المطار وتزويده بالغذاء والمواد الأخرى اللازمة كون الفريق لم يغادر الطائرة إلى حرم المطار.(ق.ب)