الأسرى الإسرائيليون لدى المقاومة الفلسطينية
الملخص
من المؤكد أن ما قبل السابع من أكتوبر عام 2023 لا يشبه ما بعده، وأن الصراع في فلسطين سيشهد تحولات جيوسياسية وجيواستراتيجية عميقة تجعل كل الأطراف المتأثرة بالقضية الفلسطينية كمصر والأردن ولبنان يقظة ومتوجسة ومتخوفة؛ فهي من جهة لا تريد أن يكون حل القضية الفلسطينية لصالح إسرائيل على حسابها، ومن جهة اخرى هي تخشى من الولوج في عملية تشكيل الشرق الأوسط مستقبلا، وفقا لقواعد الصراع بين المشاريع الكبرى في المنطقة، المشروع الأميركي الغربي الإسرائيلي، والمشروع الإيراني والمشروع التركي.
لا شك ان احد اهم التداعيات الاستراتيجية لهذه الحرب وربما احد اهم أهدافها من وجهة نظر المقاومة هي اعادة طرح قضية الاسرى في السجون الإسرائيلية الى الواجهة مرة أخرى لما يمثله هذا الملف من رمزية خاصة للشعب الفلسطيني بالإضافة الى قضية القدس والمياه والمستوطنات وهو احد الملفات العالقة والتي تم تأجيلها عقب اتفاق أوسلو للمرحلة النهائية، حيث تم اسر عدد من الاسرى العسكريين والمدنيين يكفي لتبيض السجون الإسرائيلية، خاصة ان إسرائيل قد رفضت في صفقات سابقة الافراج عن بعضهم.
يختلف النظر الى انعكاس هذه السيناريوهات على كل من حركة حماس وإسرائيل عن السلطة الفلسطينية وحركة فتح؛ فحركة حماس وإسرائيل هما فواعل رئيسية تؤثر وتتأثر بتداعيات هذه الحرب الصفرية بمعنى ان السيناريو الأفضل لأحدهما هو السيناريو الاسوأ للأخر، اما السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة فتح هما الخاسر الاكبر في كلا السيناريوهين.
ولتقليص مخاطر حل مشكلة الاسرى الاسرائيليين بمعزل عن السلطة الوطنية الفلسطينية، على منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح ان تبادر بفرض نفسها كطرف رئيسي في هذه المفاوضات وضرورة القيام باجراءات اثناء هذه الحرب لتعزيز دورها كجهة مسؤولة عضويا ورسميا عن الشعب الفلسطيني.
الأسرى الإسرائيليون لدى المقاومة الفلسطينية
لا شك ان احد اهم التداعيات الاستراتيجية للحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر عام 2023، وربما يكون احد اهم أهدافها حسب ادعاء حركة حماس هو تفعيل واعادة طرح قضية الاسرى في السجون الإسرائيلية الى الواجهة مرة أخرى؛ ففي ظل الغموض الذي يكتنف قضية الاسرى فان حركات المقاومة وعلى رأسها حركة حماس صرحت ان لديها ما يزيد على 250 جلهم من العسكريين وبعضهم ضباط في رتب مرتفعة في الجيش، في حين ان إسرائيل قد اعترفت ان ما اسرته المقاومة هو 242، جزء منهم يحمل الجنسية المزدوجة الاميركية والفرنسية والتشيلية الارجنتينية، التايلندية والإيطالية والهولندية تم نُقلهم إلى غزة، لكن مكان وجودهم بالتحديد داخل القطاع غير معروف، مما يجعل إنقاذهم أكثر تعقيدا، ويعتقد أن الكثيرين منهم يمكن أن يكونوا محتجزين في شبكة الأنفاق تحت الأرض في غزة والتي يطلق عليها الجنود الإسرائيليون اسم "مترو غزة".، اقترحت حركة حماس في بداية المعركة وقبل الحرب البرية ودخول القوات الإسرائيلية عمق قطاع غزة تبادلا للرهائن الذين تحتجزهم مقابل سبعة الالاف اسير تحتجزهم قوات الاحتلال في سجونها وترفض الافراج عنهم، في المقابل وضعت إسرائيل قضية الافراج عن اسراها الهدف الثاني من الحرب البرية بعد اجتثاث حركة حماس والتخلص من قدراتها العسكرية وتغير الواقع في غزة، من هنا يبرز السؤال: هل يمكن لإسرائيل تحقيق الهدف الثاني قبل الهدف الأول سواء من خلال التوصل الى صفقة تبادل تشمل الكل مقابل الكل والذي يعني تبيض السجون الإسرائيلية من الاسرى الفلسطينيين او تجزئة الصفقة على مراحل؟ وهل بإمكان إسرائيل تحقيق الهدف الأول ومن ثم يصبح الهدف الثاني وهو تحرير الاسرى تحصيل حاصل ولا تضطر فيه دفع ثمن مقابله؟ ولتحليل هذين السيناريوهين وتداعياتهما على كل من حركة حماس وإسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية وحركة فتح، لا بد من الاسترشاد ببعض الموجهات:
منذ عام 1948 وحتى عام 2011 جرت عشرات عمليات التبادل للأسرى بين إسرائيل من جهة وبين الدول العربية وحركات التحرر الفلسطينية واللبنانية وكان ابرزها تلك الصفقة التي تمت بين إسرائيل وحركة التحرير الوطني الفلسطيني - فتح، تلك العملية أطلقت إسرائيل سراح جميع أسرى معتقل أنصار في الجنوب اللبناني وعددهم 4700 أسير فلسطيني ولبناني، و65 أسيراً من السجون الإسرائيلية مقابل إطلاق سراح ستة جنود إسرائيليين من قوات الناحال في 23 نوفمبر 1983م. ثم تلاها في مايو 1985 عملية تباد اخرى بين إسرائيل والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة)، والتي وتم في إطارها تحرير 1150 أسيرا فلسطينيا مقابل جثث ثلاثة جنود إسرائيليين كانوا وقعوا في الأسر في لبنان، وكان اخر عمليات التبادل بين إسرائيل وحركة حماس عام 2011، والتي افرج فيها عن 1027 سجينا فلسطينيا مقابل إطلاق سراح شاليط والتي عرفت بصفقة شاليط.
وفي ظل استمرار الحرب على غزة فان قضية الاسرى تتصدر المشهد وفق سيناريوهين يرتبطان بالهدف الأول الذي حددته إسرائيل من الحرب على غزة في اعقاب هجوم حماس والفصائل الأخرى يجعلان من عملية التبادل معقدة، خاصة ان لطرفي الحرب حساباتهم الخاصة، فحركة حماس ومن معها من حركات المقاومة تريد إطالة امد وجود الاسرى في قبضتها أطول زمن ممكن لأن ذلك يخدم وجودها ويحسن موقفه التفاوضي، وربما ينسف هدف الحرب الأساسي وهو الانهاء الوجودي لحركة حماس في غزة، اما إسرائيل تريد انهاؤه باقل كلفة سياسية وامنية واقتصادية، فمن ناحية موضوعية فان الافراج عن الرهائن يكاد يكون مرتبطا بانهاء الحرب خاصة انه من المتوقع ان يزداد عددهم من جهة الإسرائيليين في حال استمرار توغل الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، بالإضافة الى ان إسرائيل تقوم يوميا باعتقال عشرات الفلسطينيين من الضفة ومن غزة، ولهذا فان احتمال انهاء الحرب قبل انهاء ملف الاسرى قد يكون مستبعدا.
اجراء حنبعل
قبل استعراض السيناريوهات التي تتعلق بملف الاسرى، لا بد من تسليط الضوء على اجراء تلجأ اليه إسرائيل في حالة حدوث اختطاف لجنودها، ورغم انه اجراء اسرائيلي غير مكتوب ولا يرتقي الى حد ان يكون احد السيناريوهات المحتملة للتحليل، نظرا لأن الاسرى الاسرائيليين هم ليسوا كلهم جنود إسرائيليون، لكن اجراء كهذا يمكن الحدوث في ظل السيناريو الأول الذي يفضي الى تفضيل إسرائيل حل مشكلة اسراهم دون دفع ثمن سياسي او امني او اقتصادي؛ فاجراء حنبعل الذي ابتدعه الجيش عام 1986 يقضي ان جنديا مقتولا أفضل من جندي اسير؛ ففي الحقيقة فان إسرائيل لن تجازف بالقيام بهذا الاجراء في غزة في ظل عدم معرفة مكان تواجدهم مما يعني انه يمكن ضرب مناطق مفترضة لوجودهم داخل مناطق مدنية، لأنه يشكل خرقا أساسيا لمبدأ التمييز بين المقاتلين والمدنيين كما ينص عليه القانون الإنساني الدولي. إضافة الى ان المخطوفين ليسوا كلهم جنودا اسرائيليين، وهناك عدد كبير من المدنيين ومن جنسيات اجنبية مختلفة. ورغم السجال داخل دولة الاحتلال على هذا الاجراء الذين يرون ان قيمة حياة الجندي تفوق قيمة إحباط الخطف، وان الامر يعني هو استهداف الخاطف لإنقاذ المخطوف، واجراء حنبعل هو إجراء سري متبع في الجيش الإسرائيلي في الحالات التي لا يمكن فيها إنقاذ جندي وتخليصه من محاولة اختطاف وأسر، إذ يقضي الإجراء باستخدام أقصى ما يمكن من كثافة النيران لقطع طرق الفرار أمام الخاطفين وإفشال محاولة الاختطاف، حتى لو أدى الأمر إلى قتل الجندي نفسه، لأنْ "جنديا مقتولا أفضل من جندي مخطوف"، كما يقول الشعار المتداول في إسرائيل في هذا الشأن. ويستدل مما ينشر في وسائل الإعلام الإسرائيلية حول الموضوع أن هذا الإجراء يقضي بأن "على الجندي الذي يتعرض لمحاولة اختطاف وأسر تحرير نفسه بنفسه، من خلال قتل نفسه وخاطفيه"، وإن لم يفعل ذلك بنفسه، فسيتولى زملاؤه المهمة!
السيناريو الأول - انتصار إسرائيلي ساحق على المقاومة الفلسطينية واسترداد الأسرى بدون ثمن: الانتصار الذي تريده إسرائيل هو اجتثاث حركة حماس نهائيا وجعل غزة منزوعة السلاح واسترداد الأسرى، وأي حديث عن بقاء حماس أو بقاء السلاح في غزة والتفاوض على الأسرى يعني بالنسبة لإسرائيل هزيمة منكرة، الانتصار الذي تريده إسرائيل هو انتصار صفري وأن الخصم يجب أن يستسلم وينتهي تماما وهذا هو الهدف الإسرائيلي والأميركي المعلن.
هذا الهدف له ما يدعمه وما يخدم تحققه على الأرض من وجود ضوء أخضر أميركي وغربي باستخدام القوة ضد غزة دون أي خطوط حمراء، والجسر الجوي من الأسلحة الأميركية المتطورة، وبوارج الردع التي تمنع توسع الحرب في المنطقة، والدعم المالي الكبير الذي يقدمه الغرب لإسرائيل حتى بلغ في آخر مطالبات الرئيس الأميركي جو بايدن للكونغرس بالموافقة على تخصيص 14 مليار دولار دعما عسكريا لإسرائيل.
ويقف خلف ذلك، ماكينة إعلامية غربية متعاطفة وداعمة لإسرائيل، ظروف لن تتركها القيادة الإسرائيلية السياسية والعسكرية دون السعي لإنهاء حماس والمقاومة وسلاح غزة للأبد، فهذه فرصة لن تتكرر لإسرائيل من وجهة نظر القيادة الإسرائيلية.
السيناريو الثاني- بقاء المقاومة وقيادة المقاومة وسلاح المقاومة وبقاء الأسرى تحت يد المقاومة سواء كانوا أحياء أو أمواتا وتبيض السجون: مجرد بقاء المقاومة سواء كان ذلك مع خسائر برية إسرائيلية أو دون خسائر إسرائيلية سيمثل فشلا وهزيمة للحملة الإسرائيلية، فكل ما هو دون اجتثاث المقاومة وسلاحها هو انتصار فلسطيني، هذا السيناريو له ما يدعمه بالتجارب السابقة في حروب إسرائيل البرية فحرب 2006 في لبنان فاجأت الجميع وصمد حزب الله، وخضعت إسرائيل بالنهاية لصفقة تبادل الأسرى وتكبدت خسائر لم تكن تتوقعها، ويمكن تكرار النموذج اللبناني في الحرب البرية على غزة، ولكن هذا يعتمد على مقدار ما أعدته المقاومة الفلسطينية للحرب البرية، وهذا ما سوف تحكم عليه الأسابيع الأولى للحرب البرية.
انعكاس السيناريوهات على الأطراف المتصارعة (الإسرائيليون والفلسطينيون)
قد يختلف تأثير هذه السيناريوهات على كل من حركة حماس وإسرائيل عن السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة فتح؛ فحركة حماس وإسرائيل هما فواعل رئيسية تؤثر وتتأثر بتداعيات هذه الحرب الصفرية بمعنى ان السيناريو الأفضل لأحدهما هو السيناريو الأسوأ للاخر، اما السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة فتح هما الجهة الخاسرة في كلا السيناريوهين.
أولا- إسرائيل: في حال حققت نصرا ساحقا واستطاعت احتلال غزة مرة أخرى وإنهاء وجود المقاومة والافراج عن الاسرى بدون دفع ثمن / عدم ابرام صفقة تبادل رغم ان هناك شكوكا في انهاء حركة حماس بالمنطق الاسرائيلي على غرار اجتثاث النازية الذي حصل في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية او داعش في العراق، لكنه أقرب إلى عملية اجتثاث حزب البعث الذي حاول الأميركيون فعله في العراق، وفي هذه الحالة سيكون هناك فرض شروط هزيمة اما بالافراج عن الاسرى او ما تبقى من الاسرى وبهذه الحالة يمكن تصور بعض ملامح المشهد العسكري والسياسي والذي يميل لصالح إسرائيل ونتن ياهو تحديدا في المنطقة سيكون على الشكل التالي:
- هناك انعكاس مباشر على نتن ياهو نفسه وائتلافه الحاكم، فخروج نتنياهو منتصرا من الحرب والافراج عن الاسرى الإسرائيليين، يعني تشديد قبضة اليمين الإسرائيلي على مقاليد الحكم في أي انتخابات مقبلة ولسنوات طويلة، كما انه سيعمد إلى استثمار الانتصار والسعي لحرب أخرى وتكرار ذات الانتصار في جنوب لبنان على حزب الله مستفيدا من الدعم الغربي والأميركي اللامحدود، وخاصة بعد أن دخل جنوب لبنان في الحرب ولو بشكل محدود حتى الآن.
- تثبيت وتعميق إسرائيل سياسة قوة الردع وسياسة إدارة التوحش العسكري التي انتهجتها في حروبها مع الجيوش العربية وحركات المقاومة الفلسطينية على مدار تاريخ القضية الفلسطينية.
- إضعاف أي فرصة لأي انتفاضة فلسطينية ثالثة في الضفة الغربية، والذهاب إلى الخطة الأهم لدى اليمين الإسرائيلي بالتقسيم المكاني للمسجد الأقصى وتوسيع التقسيم الزماني للمتشددين اليهود وتسريع خطة تهويد المسجد الأقصى.
- حسم الصراع مع الفلسطينيين على جانبي الخط الاخضر وتنفيذ الخطة الإسرائيلية والخاصة بالسكان والتي تنقسم الى ثلاثة شرائح التهجير والقتيل وفرض شروط معيشة كسكان ليس لهم حقوق سياسية.
- لن يفرج عن الاسرى، وربما سيجدد اعتقال من ينهي حكمه إداريا او بتهم جديدة، خاصة اؤلئك الذين يشكلون خطرا على امن إسرائيل، او ابعادهم الى الجغرافيا الجديدة التي ستنتج بعد هذه الحرب والتي ربما تكون صحراء سيناء او الأردن.
ثانيا- حركة حماس والحركات المناصرة لها: في حال تحقق انتصار للمقاومة من خلال صموده وهنا أقصد بالانتصار "بقاء المقاومة وسلاحها في غزة والتفاوض على الأسرى"، او الدخول في عملية تفاوض قبل انتهاء الحرب، هذا الامر يعني ان حماس في وضع تفاوضي قوي، وبامكانها فرض شروط صفقة الكل مقابل الكل/ تبيض السجون او تجزئة الصفقة؛ وعليه فإن المشهد السياسي والامني في المنطقة سيكون مختلفا تماما وعلى النحو التالي:
- انتصار المقاومة يعني تجذير حماس لتكون القوة الأولى في القضية الفلسطينية، بحيث يجبر العالم على التعامل مع حركة حماس في غزة بمنطق كيان واقع (ديفاكتا)، خاصة ان غزة ستكون ارض محروقة، لن تغري أحدا من دول الاقليم حتى السلطة الفلسطينية بتسلم مقاليدها.
- ستميل كفة تأييد النهج الذي ناورت حماس من خلاله في العقدين الماضيين وخاصة بعد الانقلاب بين أوساط الشباب خاصة، خاصة اذا تبلورت صفقة تبيض السجون من الاسرى بما فيها قيادة الحركة الاسيرة مثل احمد سعدات ومروان البرغوثي وغيرهم ممن رفضت إسرائيل طيلة الفترات السابقة اطلاق سراحهم.
- يمكن وبمساعدة بعض دول الاقليم ك قطر وتركيا وايران وربما روسيا التي تطمح الى زيادة حلفاءها ضد اميركا ان تحصل حركة حماس على الشرعية الدستورية التي تؤهلها ان تكون المتحدث باسم الشعب الفلسطيني خارجيا، بعد ان نالت الشرعية الثورية والمشروعية الوطنية داخليا.
- في حالة تحقق السيناريو الأفضل لحماس وعقدت صفقة تبادل سوف يتم ترحيل كافة الاسرى المفرج عنهم الى قطاع غزة، وستكون هي الحيز المكاني الممكن لإسرائيل بتنفيذ سياسة الترحيل الفردي والجماعي للفلسطينيين لاحقا.
- سيزداد نفوذ حركة حماس في الضفة الغربية، وستبقى الضفة الغربية ساحة توتر، في حين سيتم التفرغ لعقد من الزمان على الاقل نحو اعمار غزة وتبريدها، خاصة ان إسرائيل سوف تكرس فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية.
ثالثا-السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة فتح: ربما ستكون الخاسر الأكبر من هذه الحرب سواء اثناءها او بعد انتهائها، اما بتحقق السيناريو الأول من انهاء حركة حماس وتصفيتها وانهاء ملف الاسرى بدون مقابل، او بتحقق السيناريو الثاني والتوصل الى صفقة تبادل بين إسرائيل وحماس سواء كانت كاملة او مجزئة على المستويات كافة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية:
- سياسيا: في كل جولات الصراع السابقة بين حماس والجهاد الإسلامي في غزة، غالبا ما كانت السلطة الوطنية الفلسطينية هي الخاسر الأكبر وكانت هي من تتحمل فاتورة ثمن قرار الحرب المنفرد، خاصة ان موقف السلطة المعلن انها تدعو الى حل القضية الفلسطينية بأسلوب متعدد المسارات يغلب عليه الطابع الدبلوماسي والقانوني والسلمي، ورغم ان حركة فتح منخرطة في العمل العسكري قبل واثناء هذه الحرب في الضفة وفي غزة، الا ان حركة حماس غالبا ما تحاول تنميط هذا الجهد والتقليل من شأنه ليخدم مشروعها، والمدقق في خطاب اعلان الحرب ل محمد ضيف في السابع من أكتوبر 2023، يجد انه جعل اسقاط السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية، احد اهداف هذا الهجوم والذي كان سببا مباشرا باندلاع هذه الحرب، اذن: فالسلطة الفلسطينية كانت مجبرة على التعاطي مع هذه الحرب وتداعياتها واحيانا مضطرة الى الدفاع عن الفعل الذي قامت به حركة حماس، كونها تمس حياة كل الفلسطينيين في الضفة وغزة وانها المسؤولة قانونيا عن الشعب الفلسطيني من جهة، وتخضع لضغوط المجتمع الدولي الذي رأى في اعمال حماس على انها اعمال داعشية وحشية، ومن جهة أخرى فان المزاج الشعبي يميل عاطفيا باتجاه المقاومة، وعليه فان السلطة الفلسطينية وحركة فتح ومهما فعلت لن ترضي كافة الأطراف، وان أي سلوك سياسي معتدل لحماية الشعب الفلسطيني اصبح يفهم على انه نوع من المهادنة مما، افقدها مشروعيتها في الأوساط الشعبية الفلسطينية كون مشروعها السياسي قد تراجع امام المشروع المضاد، وبالتالي فان سلوك السلطة الفلسطينية المسؤول انعكس وبشكل مباشر على حركة فتح حيث من المتوقع ان تخسر من رصيدها الشعبي في أي انتخابات سياسية او نقابية او خدماتية، خاصة ان الشعب الفلسطيني سوف يتذكر من حرر الاسرى اخر مرة.
- حالة الخسارة عكس الربح؛ ففي الخسائر، غالبا ما تلجأ المجموعة الى التلاوم حينا واستخلاص العبر في احسن الأحوال، فمن المتوقع اذا ابرمت صفقة تبادل اسرى وافرج عن قيادات حركة فتح عبر الجهد الحمساوي، فان ذلك سيؤدي الى شعور الفتحويين ان الفضل لا يعود لهم وسوف يكون له تداعيات على الحركة يمكن ان يؤدي الى زيادة الشرخ بين أبناء الحركة، ويحدث التلاوم بين قيادة الحركة وكوادرها مما يؤدي الى مزيد من التشرذم والتشظي.
- رغم استمرار التعاطي الدولي من أعضاء المنظمة الدولية ومؤسساتها مع السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية كجهة مسؤولة عن الشعب الفلسطيني، الا انها ستفقد الكثير من أوراق التأثير، خاصة انها لن تكون المسؤولة عن قطاع غزة الذي من المتوقع في كلا السيناريوهين ووفق الحلول المقترحة ان تكون غزة تحت إدارة خارجة عن إدارة السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية، سواء افرزت تلك الحرب حركة حماس جديدة بكيان جديد او ان غزة الحالية ستكون تحت إدارة دولية او إقليمية.
- استمرار تهميش منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها عن إدارة ملف الاسرى وتفويض دول في الإقليم كدولة قطر، يضعف الموقف الفلسطيني، ويعيد القرار الفلسطيني المستقل الى ما قبل الحقبة التي أجبرت العالم العربي على الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطيني، وعليه فان المكانة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطيني سوف تنخفض، وسيعاد النظر تحت ضغط السيناريوهين بمكانة القضية الفلسطينية ككل.
- اذا لم يتوحد الفلسطينيون في هذا الظرف الدقيق والذي يؤدي الى الوحدة السياسية والجغرافية بين قطاع غزة والضفة الغربية فلن يكون هناك وحدة بعد الان، وهذا يتطلب من منظمة التحرير الفلسطينية القيام بمبادرات خلاقة لتجاوز هذا التحدي.
- في احسن الأحوال وفي حالة حققت إسرائيل هدفي الحرب سوف تضطر للسلطة الفلسطينية على الغالب بتسلم قطاع غزة، وسوف تقوم إسرائيل وبدعم اميركي وموافقة ضمنية من دول الإقليم على العمل بشكل متسارع على تنفيذ بنود صفقة القرن بالقوة وبفرض الأمر الواقع، وذلك بضم غور الأردن والمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية التي تستحوذ على أكثر من 43% من أراضي الضفة لإسرائيل وإقامة حكم ذاتي فلسطيني بكنتونات جغرافية غير متصلة مع العمل على البدء بسياسة التهجير الناعم؛ فلم يعد خافيا ووفق دراسة مسربة لخطة الإسرائيلية في توطين مليوني فلسطيني في مصر بقيمة 8 مليارات دولار لبناء مدن للفلسطينيين في سيناء ودفع تعويضات قد تصل إلى 30 مليار دولار للدولة المصرية على أن يتم تجريف غزة بالكامل وبناء مستوطنات إسرائيلية عليها.
- اجتماعيا: سوف يزداد الشرخ الاجتماعي بين مؤيدي حركة حماس والجهاد الإسلامي وقوى اليسار من جهة وبين حركة فتح من جهة أخرى وقد يتطور هذا الشرخ الى مناوشات واشتباكات دموية، خاصة ان حركة حماس يمكن ان تمارس تنمرا ما اتجاه السلطة الوطنية الفلسطينية عموما وحركة فتح ومناصريها خصوصا، حيث ان معطيات الحاضر هي مؤشر على المستقبل، فبرغم ان كوادر حركة فتح يبدون مناصرة ومشاركة للمقاومة كفكرة الا ان حركة حماس تسعى الى تجيير ه هذا التأييد لمصالحها الحزبية عوضا عن المصلحة الوطنية، ومن جهة أخرى وفي اطار اللوم واستخلاص العبر يمكن ان تتسع الهوة بين الشعب والقيادة وأدوات الحكم، خاص الجانب الأمني.
- امنيا: في حالة تحقق الهدفان المعلنان من الحرب في غزة من وجهة نظر اسرائيلية وخاصة السيناريو المفضل لإسرائيل سيزداد تغول المستوطنين في الضفة الغربية وسوف يزداد التنكيل بالفلسطينيين تحت عين قوات الاحتلال، مما قد يقود الفلسطينيين الى حالة فقدان الامل مما يؤدي الى الهجرة او الاستسلام، وسوف تتعزز فكرة دولة المستوطنات في الضفة الغربية، وعلى المستوى الامن الداخلي والسلم الأهلي، وخاصة في حالة ضعف الدور الوظيفي لمؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية وخاصة في الجانب الأمني، هناك تخوف ان ترتفع معدلات الجريمة والعنف مما يعزز دور العائلية لحماية أعضاءها وبروز منظمات اجتماعية ومصلحية كمنظمات الجريمة، مما يعزز فكرة دولة الامارات السبع التي طالما روج لها الاحتلال في اطار تصفية القضية الفلسطينية.