الألعاب الشعبية تعيد دفء ليالي رمضان السورية
دمشق - كان لشهر رمضان في الذاكرة السورية القديمة طابع خاص يميّزه عن بقية أشهر العام، وخصوصاً في عالم الأطفال الذين كانوا ينتظرون لياليه بشغف. فبعد الإفطار، كانت الأزقة والحارات العتيقة تمتلئ بضحكاتهم وحركتهم الدائمة، لتتحول الشوارع إلى فضاءات نابضة بالحياة، حيث يمارسون ألعاباً شعبية شكّلت جزءاً من الطقوس الاجتماعية التي ربطت الصغار ببيئتهم وتراثهم المحلي.
ومع حلول رمضان، كان إيقاع الحياة اليومية في المدن والقرى السورية يتبدّل؛ إذ يمتد السهر حتى ساعات متأخرة من الليل بانتظار السحور، ما يمنح الأطفال فرصة أطول للعب خارج المنازل، في أوقات لم تكن متاحة لهم في الأيام العادية. كما أن ازدحام الشوارع بالناس المتوجهين إلى المساجد أو الأسواق، وامتلاء الحارات بالحركة والنور، كان يمنح الصغار شعوراً بالأمان وهم يلعبون في مجموعات كبيرة تحت أنظار الكبار.
ويشير الباحث محمد خليل الصمادي في كتابه "الألعاب الشعبية في بلاد الشام" إلى أن شهر رمضان ارتبط تاريخياً بعدد من الألعاب الشعبية التي كانت تنتشر بين الأطفال، مثل "الغميضة"، و"الدحل"، وألعاب الفوانيس، إضافة إلى تجمعات الصغار حول "الحكواتي" في بعض الأحياء، أو مرافقتهم للمسحراتي وهم يرددون معه نداءاته في الأزقة قبيل السحور.
ووفق الوكالة العربية السورية للأنباء "سانا"، يوضح الصمادي أن لهذه الألعاب وظيفة اجتماعية ونفسية أيضاً، إذ كانت تساعد الأطفال الصائمين على تمضية الوقت قبل أذان المغرب، فينشغلون باللعب وينسون مشقة الجوع والعطش. كما صنّف الباحث هذه الألعاب وفق عدد المشاركين فيها، فهناك ألعاب مخصصة للأولاد، وأخرى للبنات، وألعاب مشتركة، فضلاً عن ألعاب أسرية يشارك فيها الأب والأم والأبناء.
ومن بين الألعاب التي وثقها الصمادي: الحضار أو الحاح، الحجلة أو الحيز، الثعلب فات، طاق طاق طاقية، يا مفتش فتش على الحرامي، النط على الحبل، الطميمة، الدحل، شاك العجم، العنطوز، طرة ونقش، الدوش، العرج، الطابة والسبع بلاطات، سلوى يا سلوى، جمّال يا جمّال، وغيرها من الألعاب التي كانت تشكل جزءاً من يوميات الأطفال في ليالي الشهر الفضيل.
ويذكر الباحث الراحل عباس الطبال في كتابه "الألعاب الشعبية في دير الزور" أن هذه الألعاب لم تكن مجرد وسيلة للترفيه، بل مثّلت أحد أهم أشكال التواصل الاجتماعي بين الأطفال، وأسهمت في تنمية قدراتهم الجسدية والذهنية. كما يؤكد أن كثيراً من هذه الألعاب تناقلتها الأجيال شفهياً لأكثر من قرن، لتصبح جزءاً من الذاكرة الشعبية.
ومن أشهر الألعاب الجماعية التي مارسها الأطفال لعبة السبع حجرات، حيث يُبنى برج صغير من سبع حجارة ثم يحاول أحد الفريقين إسقاطه بكرة صغيرة، قبل أن يسعى الفريق المهاجم إلى إعادة بنائه، بينما يعمل الفريق الآخر على منعهم. وتحتاج هذه اللعبة إلى سرعة الحركة والتعاون بين اللاعبين، الأمر الذي جعلها من أكثر الألعاب انتشاراً في مختلف المناطق السورية.
وفي ليالي رمضان أيضاً حضرت لعبة البرسيس أو البرجيس، وهي لعبة لوحية تقليدية تقوم على التخطيط والحظ معاً. ويذكر الباحث الدمشقي منير كيال في كتابه "رمضان وتقاليده الدمشقية" أن هذه اللعبة كانت من أشهر ألعاب السهرات الرمضانية داخل البيوت الدمشقية، حيث تجتمع العائلة حول لوح اللعبة مستخدمة قطعاً معدنية أو أصدافاً تُعرف باسم "الودع".
أما في منطقة وادي الفرات، فقد وثّق الطبال لعبة قينة قينة التي كانت تُمارس ليلاً بين مجموعات من الفتيان، وتعتمد على تقسيم اللاعبين إلى فريقين في منافسة تتطلب رشاقة وسرعة ملاحظة.
ولا تقتصر الألعاب الرمضانية على هذه النماذج، إذ تنتشر كذلك ألعاب مثل الغميضة والحجلة وطاق طاق طاقية، إضافة إلى ألعاب محلية أخرى تختلف من منطقة إلى أخرى داخل سوريا.
ويرى الباحثون أن هذه الألعاب الشعبية أدّت دوراً يتجاوز الترفيه، إذ أسهمت في ترسيخ روح التعاون بين الأطفال، وتعزيز قيم المشاركة والتواصل بينهم، فضلاً عن دورها في نقل عناصر التراث الشعبي من جيل إلى آخر، لتبقى جزءاً من الهوية الثقافية السورية التي تتجدد مع حلول شهر رمضان في كل عام.