الإمارات تضع حجر الأساس لأضخم مشروع سكني في غزة

مشروع الإسكان، الذي أطلق عليه بعض الدبلوماسيين اسم 'مدينة الإمارات'، سيضم مساكن جاهزة على شكل شاحنات من عدة طوابق.

أبوظبي - يُمثل الكشف عن تعاقد شركة مقاولات فلسطينية لبناء مجمع ضخم بتمويل إماراتي في قطاع غزة تحولاً جوهرياً في إستراتيجية أبوظبي للتعامل مع الأزمة الإنسانية، وانتقالاً من مرحلة الإغاثة الطارئة إلى مرحلة "الإيواء المستدام" وإعادة الإعمار الفعلي، حتى في ظل الظروف الأمنية المعقدة.

ويتجاوز مشروع المجمع الجديد كونه مجرد مخيم للنازحين، بل يعتبر خطوة أولى في مشروع إماراتي متكامل يهدف إلى استيعاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين في بيئة تتوفر فيها مقومات الحياة الكريمة. 

ويعني البدء بالإعمار عبر شركات فلسطينية وعمالة محلية تحريك العجلة الاقتصادية للقطاع المنهك، دون انتظار التعقيدات السياسية النهائية، كما يمنح الاعتماد على مقاولين فلسطينيين المشروع صبغة "تنموية وطنية" ويضمن سرعة التنفيذ وخفض التكاليف اللوجستية.

ويمثل مشروع المجمع الإماراتي في رفح نموذجاً واقعياً (Pragmatic) لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتحويل الوعود الدولية إلى واقع ملموس على الأرض يلمسه النازح الفلسطيني في مسكنه وأمنه الغذائي.

ومن خلال التعاقد مع شركات مقاولات فلسطينية وعمال محليين، ترسل الإمارات رسالة سياسية قوية مفادها أن "اليوم التالي" للحرب يجب أن يُدار بأيادٍ فلسطينية مدعومة عربياً، بعيداً عن الفراغ الأمني أو الفوضى.

وصمم المجمع الإماراتي ليكون "منطقة استقرار" تتوفر فيها الخدمات الصحية (المستشفى الميداني) والخدمات الأساسية (المياه والغذاء)، مما يسحب البساط من خطاب الأزمة الدائم.

ولم تعلن أبوظبي رسميا بعد عن مشروع الإسكان، الذي أطلق عليه بعض الدبلوماسيين اسم "مدينة الإمارات". ووفقا لخريطة اطلعت عليها رويترز، سيقام المجمع بالقرب من رفح عند الطرف الجنوبي لغزة، وهي منطقة هجرها السكان ودمرتها القوات الإسرائيلية في الحرب مع حماس.

وقال مسؤولان إسرائيليان ورجلا أعمال فلسطينيان إن الشركة هي (مسعود وعلي للمقاولات) التي تتخذ من غزة مقرا وقادت مشروعات كبيرة في القطاع والضفة الغربية المحتلة على مدى عقود.

وقال واحد من رجلي الأعمال الفلسطينيين، الذي لديه معرفة مباشرة بالخطة، إن الشركة ستتعاون مع شركتين مصريتين لبناء المجمع. وذكر أن المشروع يمتد على مساحة 74 فدانا ويتسع لتسكين عشرات الآلاف من الأشخاص في وحدات جاهزة الصنع على شكل شاحنات من عدة طوابق. واشترطت المصادر عدم الكشف عن هويتها للحديث عن خطط لم يعلن عنها من قبل.

ولم يعلق مسؤول إماراتي بشكل مباشر على الخطط، لكنه قال إن بلاده "ملتزمة بشدة بدعم كل الجهود الدولية للإغاثة والتعافي في غزة بالتعاون الوثيق مع الشركاء لضمان وصول المساعدات المنقذة للحياة إلى المحتاجين بسرعة وفعالية".

وكانت الإمارات العربية المتحدة ولا تزال سباقة في تقديم الدعم النوعي لقطاع غزة، وتتجسد جهودها في عدة مسارات، من بينها عملية "الفارس الشهم 3" التي تعد المظلة الكبرى لكافة المساعدات الإغثاية والطبية، حيث شملت إنشاء مستشفى ميداني متكامل في رفح، ومستشفى عائم في العريش وإقامة محطات ضخمة لتوفير المياه الصالحة للشرب لآلاف العائلات يومياً، بالإضافة إلى المخابز والمطابخ المركزية بهدف تأمين الغذاء اليومي الساخن للنازحين.

ولعبت أبوظبي دوراً محورياً في تفعيل الممر المائي من قبرص، مما أتاح تدفق المساعدات بشكل مباشر ومستمر لتجاوز العوائق البرية. ولا تقدم الإمارات المساعدات بمعزل عن رؤية سياسية شاملة، بل تسعى لتثبيت دعائم الاستقرار من خلال ما يعرف بجهود "مجلس السلام" أو المقاربات السياسية الإقليمية. 

وتتبنى الدولة الخليجية الثرية مبدأ يقوم على أن "الاستقرار يبدأ من توفير الكرامة الإنسانية" وفي هذا السياق يبعث بناء المجمع في مناطق خاضعة للسيطرة العسكرية حالياً برسالة مفادها أن التنمية يمكن أن تكون مدخلاً للأمن وليس نتيجة له فقط.

ويندرج هذا الجهد ضمن رؤية أوسع تهدف إلى تهيئة الأرضية لكيان فلسطيني قادر على إدارة شؤونه، بدءاً من البنية التحتية. وتستخدم الإمارات ثقلها الدبلوماسي لتسهيل دخول المواد الإنشائية وضمان عدم عرقلة المشاريع الحيوية، مما يجعلها شريكاً لا غنى عنه في أي تسوية مستقبلية.

وباختصار يمكن القول إن المجمع الإماراتي الضخم في رفح ليس مجرد مشروع إيوائي عابر، بل هو اللبنة الأولى في هندسة استقرار 'اليوم التالي' لقطاع غزة. ومن خلاله، تضع الإمارات نموذجاً عملياً يُثبت أن السلام المستدام لا يُصنع فقط في أروقة الدبلوماسية، بل يُشيد على الأرض عبر توفير الكرامة الإنسانية والفرص الاقتصادية للفلسطينيين.