الاتحاد الأوروبي يستعد لأزمة طاقة حادة
بروكسل - يجد الاتحاد الأوروبي نفسه مرة أخرى أمام اختبار قاسٍ لأمن الطاقة، فبعد عامين فقط من أزمة الغاز التي تسبب فيها الغزو الروسي لأوكرانيا، أعلن مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي، دان يونسن، أن التكتل يدرس بجدية إعادة تفعيل إجراءات الطوارئ التي اعتُمدت في عام 2022.
ويأتي هذا التحرك الاستباقي لمواجهة الاضطرابات المتزايدة في أسواق الطاقة العالمية نتيجة الحرب المشتعلة، مما يعكس مخاوف بروكسل من دخول القارة في دوامة جديدة من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار.
وخلال اجتماع طارئ لوزراء الطاقة عبر الاتصال المرئي، شدد يونسن على أن الغموض الذي يكتنف أمد الصراع وعمقه يدفع الاتحاد إلى التحضير لسيناريوهات متعددة. وتتضمن الخطة المطروحة مقترحات اقتصادية تهدف إلى تخفيف العبء عن كاهل المستهلكين والصناعات، مثل خفض الضرائب على الكهرباء وتقليل الرسوم المتعلقة بالشبكة.
وتستند هذه التحركات إلى "كتيب القواعد" الذي وُضع في عام 2022، والذي شمل حينها سياسات صارمة مثل وضع سقف لأسعار الغاز، وفرض ضرائب على الأرباح المفاجئة لشركات الطاقة، وتحديد أهداف وطنية وإقليمية لتقليل الطلب. ويبدو أن بروكسل ترى في تلك الأدوات الملاذ الآمن لمنع انهيار الأسواق في حال تفاقمت الحرب على إيران وتمددت آثارها لتشمل ممرات الملاحة الحيوية.
وأكد مفوض الطاقة أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة في المنطقة لن تجعل العودة إلى "الوضع الطبيعي" أمراً سهلاً، حتى في حال التوصل إلى سلام قريب، فيما يعكس هذا التصريح حجم القلق من تدمير قنوات الإمداد الحيوية. وبالفعل، بدأت الأسواق تتفاعل سلبيا، حيث سجلت أسعار الغاز في أوروبا قفزة هائلة بلغت 70 في المئة منذ اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران في فبراير/شباط الماضي. ورغم أن القارة لا تعتمد بشكل مباشر وكلي على مضيق هرمز في إمدادات الغاز الطبيعي والنفط الخام، إلا أن طبيعة السوق العالمية المترابطة تجعل الأسعار الأوروبية رهينة لأي اضطراب في الشرق الأوسط.
وتبرز المنتجات البترولية المكررة وخاصة الكيروسين (وقود الطائرات) والديزل، كأكثر النقاط ضعفا في منظومة الطاقة الأوروبية الحالية، إذ يستورد الاتحاد حوالي 15 في المئة من احتياجاته من وقود الطائرات من الشرق الأوسط. ومع إغلاق مضيق هرمز، من المتوقع وصول آخر الشحنات في أوائل أبريل/نيسان، مما يثير مخاوف من نقص محلي حاد.
ورغم أن المحللين، مثل بنديكت جورج من شركة 'أرجوس ميديا'، يستبعدون النفاد الكامل للمخزونات بفضل الاحتياطيات التي تغطي ثلاثة أشهر، إلا أن الخطر يكمن في تقلب الأسعار الحاد الذي قد يشل قطاع الطيران والنقل. واستجابة لذلك، وجه يونسن نداءً للحكومات الأوروبية بضرورة تأجيل أعمال صيانة المصافي غير الضرورية لضمان استمرارية الإنتاج المحلي وتعويض النقص المحتمل.
ويجد الاتحاد الأوروبي نفسه في سباق مع الزمن لتحصين اقتصاده ضد هزات الطاقة. والعودة المحتملة لإجراءات عام 2022 ليست مجرد خطوة فنية، بل هي إقرار بأن أمن الطاقة الأوروبي لا يزال هشاً أمام الأزمات الدولية، وأن "المرونة" التي اكتسبها التكتل في مواجهة روسيا ستوضع الآن تحت اختبار أكثر تعقيداً في رمال الشرق الأوسط المتحركة.