الاقتصاد الكويتي نحو استقرار مستدام
لم يكن عام 2025 بالنسبة للكويت مجرد سنة مالية عابرة في التقويم الاقتصادي، بل يمكن اعتباره "عام التأسيس الثاني" للمسار التنموي الحديث. ففي الوقت الذي كان فيه العالم يتخبط تحت وطأة الحروب التجارية والرسوم الجمركية المتبادلة، اختارت الكويت المضي في جراحة تشريعية عميقة لاستئصال معضلات قديمة، بدأت تظهر نتائجها بوضوح في التقارير الدولية والمحلية، محققةً حالة من التوازن الصعب بين كبح التضخم وتحفيز النمو. ويمكن تسميتها ثورة التشريعات نحو مئة قرار لفك العقدة.
فالمشهد الأكثر بروزاً في هذا العام هو حجم النشاط التشريعي غير المسبوق؛ حيث شهدنا صدور ما يقارب مئة قرار إصلاحي، لم تكن مجرد نصوص قانونية جافة، بل كانت "مفاتيح" لفتح أبواب موصدة منذ عقود. بدءاً من قوانين الضرائب التي استهدفت تنظيم عمل الشركات الأجنبية، وصولاً إلى قوانين الرهن العقاري وتسهيل الدورة المستندية.
هذه القرارات هي التي منحت الاقتصاد الكويتي دفعة قوية، ليرتفع معدل النمو إلى 2.7 بالمئة بعد سنوات من الانكماش، والأهم من ذلك هو النجاح في ترويض "غول التضخم"، الذي هبط بمرونة من مستويات 4 بالمئة إلى حدود 2.5 بالمئة، وهو رقم يعتبر إنجازاً قياسياً بالنظر إلى حالة الغلاء العالمي.
من التوقعات المتشائمة إلى الواقع المشجع والنمو المثالي
في ملف الميزانية، كانت القصة مثيرة للاهتمام؛ فبينما كانت كل التوقعات تذهب باتجاه عجز مالي مخيف قد يلامس حاجز الـ 6 مليارات دينار، جاءت أرقام 2025 لتقلب الطاولة، حيث انحصر العجز في دائرة 1.5 إلى 2 مليار دينار فقط. هذا التحسن الجذري لم يكن محض صدفة أو نتيجة ارتفاع أسعار النفط فحسب، بل كان ثمرة سياسة "ترشيد الإنفاق" الحقيقية، وتقليص الدعم في مواضع الهدر، والبدء الفعلي في تنويع الإيرادات عبر تشجيع القطاع الخاص ليكون شريكاً فاعلاً في الناتج المحلي الإجمالي، وليس مجرد مستهلك للمناقصات الحكومية.
المشاريع الاستراتيجية: العودة إلى "الكونكريت" والإنتاج المستمر
لطالما عانت الكويت من تعثر المشاريع الكبرى، لكن 2025 شهد "نفضة" حقيقية في هذا الملف. نلمس اليوم جدية في الاستعجال بتنفيذ مشاريع حيوية مثل ميناء مبارك الكبير، خاصة بعد الشراكات الاستراتيجية مع الجانب الصيني، بالإضافة إلى تطوير المطار والمناطق الاقتصادية في الشمال. هذه التحركات في البنية التحتية هي التي تعطي انطباعاً للمستثمر الخارجي بأن الكويت عادت لتكون ورشة عمل حقيقية. هذا التفاؤل انعكس مباشرة على بورصة الكويت، التي سجلت تدفقات سيولة لم تشهدها منذ سنوات طويلة، محققة مستويات قياسية أعادت الثقة في السوق المالي.
الملاذات الآمنة والذهب: صرخة الأسعار الصاروخية في الكويت بشكل خاص
على الصعيد العالمي، كان الذهب هو الحكاية التي شغلت الجميع بوصوله لمستويات 2500 دولار للأونصة. هذا الارتفاع الصاروخي لم يكن مفاجئاً للمراقبين؛ فهو النتيجة الطبيعية لحالة القلق التي بدأت منذ أزمة كورونا، وتفاقمت مع الحرب الروسية الأوكرانية واضطراب سلاسل الإمداد. المستثمرون، وحتى البنوك المركزية، باتوا يفرون من تقلبات الدولار والسياسات النقدية الأميركية المتذبذبة إلى حضن "المعدن الأصفر".
الكويت، بسياسة نقدية حكيمة، استطاعت أن توازن بين ارتباط الدينار بسلة عملات وبين قرارات الفيدرالي الأمريكي؛ حيث لم تكن تابعة بشكل مطلق، بل مارست "مرونة ذكية" حافظت من خلالها على القوة الشرائية للدينار دون خنق قطاعات الائتمان والعقار المحلية.
سوق العمل والعدالة الاجتماعية مقارنة شاملة توضح الفروقات
اجتماعياً واقتصادياً، كان لقرار توظيف 25 ألف باحث عن عمل في القطاع الحكومي أثر كبير في امتصاص الاحتقان وتحريك عجلة الاستهلاك المحلي. هذا التوجه، الممزوج ببدء تطبيق سياسات توطين جادة في القطاع الخاص مع تحسين المزايا، خلق نوعاً من الاستقرار الوظيفي للشباب الكويتي. كما أن السيولة العالية لدى البنوك المحلية بدأت تنعكس بشكل غير مباشر على جودة الائتمان ونمو قطاع الاتصالات والعقارات، مما يعيد رسم ملامح الاستقرار المعيشي في البلاد.
جيل "الرؤية" ومسؤولية القيادة
في نهاية المطاف، يبقى المحرك الحقيقي والضمانة الوحيدة لاستمرارية هذا الحراك الاقتصادي هو "الإنسان الكويتي"، وتحديداً جيل الشباب الذي أثبت في عام 2025 أنه لم يعد مجرد منتظر للوظيفة الحكومية، بل بات طرفاً أصيلاً في صياغة الحلول. إن الانفتاح الحاصل في القطاع الخاص، والتوجه نحو الاقتصاد الأخضر والطاقة المتجددة، يتطلب عقولاً شابة تتقن لغة العصر وتتخلى عن المفاهيم الاقتصادية الريعية القديمة.
الشباب اليوم هم من سيقودون المناطق الاقتصادية في الشمال، وهم من سيديرون ميناء مبارك، وهم المحرك الفعلي للبورصة والشركات الناشئة. إن الاستثمار في "توطين العقول" لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية؛ فالبناء الذي يُشيّد بالكونكريت قد يتصدع، أما البناء الذي يشيده وعي الشباب وابتكارهم فهو الحصن الذي سيحمي الكويت في عالم ما بعد النفط. لقد عبرت الكويت "عنق الزجاجة" تشريعياً، والكرة الآن في ملعب الأجيال الصاعدة لتحويل هذه الإصلاحات إلى نمط حياة مستدام يحفظ مكانة "لؤلؤة الخليج" في خارطة المال والأعمال العالمية.