الامارات تفكك شبكة غسيل أموال وسلاح مرتبطة بالجيش السوداني

السلطات الإماراتية كشفت خيوط العملية وتعقبت مسار الأموال والشحنات، لتسقط المخطط قبل اكتماله وتحبط محاولة تمرير العتاد إلى وجهته النهائية.

أبوظبي - أمر النائب العام حمد سيف الشامسي، بإحالة 19 متهما بينهم ست شركات مسجلة في الدولة إلى محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية (دائرة أمن الدولة)، بتهمة ارتكاب جرائم الاتجار غير المشروع في العتاد العسكري والتزوير وغسل الأموال لصالح الجيش السوداني، حيث تؤكد الإمارات على نهج ثابت يقوم على دعم السلام ورفض التدخل العسكري في النزاع، في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب على المستويين الإنساني والإقليمي.

ومنذ اندلاع الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، شددت الإمارات على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار والعودة إلى المسار السياسي. وقد دعت في أكثر من مناسبة إلى تغليب الحوار بين الأطراف السودانية، مؤكدة أن الحل لا يمكن أن يكون عسكريًا، بل عبر تسوية سياسية شاملة تحفظ وحدة السودان واستقراره.

وجاء قرار الإحالة عقب تحقيقات موسعة أجرتها النيابة العامة، حيث كشفت الوقائع عن محاولة المتهمين تمرير شحنة من الذخائر إلى سلطة بورتسودان عبر أراضي الإمارات، في مخالفة صريحة للقوانين والأنظمة المعمول بها في الدولة.

ودعمت أبوظبي المبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى التهدئة، بما في ذلك المساعي التي تقودها أطراف عربية وأفريقية، ونسّقت مع شركائها لدفع جهود الوساطة، انطلاقًا من رؤية تقوم على منع تفكك الدولة السودانية واحتواء تداعيات الأزمة.

وتتبنى الإمارات موقفًا واضحًا برفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو ما انعكس في تأكيدها المتكرر على احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه. وترى أن أي تدخل خارجي من شأنه تعقيد المشهد وزيادة حدة الصراع، بدل المساهمة في حله.

وفي هذا السياق، تحرص الإمارات على تقديم نفسها كطرف داعم للاستقرار، لا كفاعل منحاز لأي طرف في النزاع، مع التشديد على أن دورها يقتصر على الدفع نحو السلام وتوفير الدعم الإنساني.

وأظهرت التحقيقات أن الوقائع محل الدعوى ارتبطت بصفقات تمت بطلب من لجنة التسليح في الجيش السوداني برئاسة عبدالفتاح البرهان ونائبه ياسر العطا، وبتنسيق من عثمان محمد الزبير محمد، كما شمل نطاق الاتهام شخصيات نُسبت إليها أدوار في التوجيه والتنسيق، من بينهم صلاح عبد الله محمد صالح (الملقب بصلاح قوش).

ويواجه المتهمون تهم الاتجار غير المشروع في العتاد العسكري، وتزوير محررات رسمية واستعمالها، وغسل الأموال المتحصلة من تلك الجرائم، بما يشكل مخالفة جسيمة لقوانين الدولة وأنظمتها. وكشفت التحقيقات عن تنفيذ المتهمين مخططهم عبر صفقتين مترابطتين، اتسمتا بالتخطيط المسبق واستخدام واجهات كيانات تجارية ومالية لإخفاء الطابع غير المشروع للعمليات.

ففي الصفقة الأولى، التي أُبرمت خارج الدولة، جرى الاتفاق على توريد عتاد عسكري شمل بنادق كلاشينكوف ومدافع رشاشة وقنابل، بقيمة مُعلنة بلغت 13 مليون دولار، في حين لم تتجاوز قيمتها الفعلية 10 ملايين دولار، حيث تم تخصيص الفارق كعمولات غير مشروعة تم الاتفاق على توزيعها بين المتهمين نظير أدوارهم في ترتيب الصفقة وتسهيل إجراءاتها، وأن المدفوعات جرى تمريرها عبر شركات مرخصة وحسابات مصرفية داخل الدولة تحت غطاء معاملات تجارية صورية.

أما الصفقة الثانية فنُفذت داخل الدولة باستخدام ما يزيد عن مليوني دولار من متحصلات الصفقة الأولى، وذلك لتنفيذ توريد عاجل لصفقة ذخائر إضافية (غرانوف)، حيث تم إدخال الجزء الأول من الشحنة إلى أراضي الدولة بطرق احتيالية عبر طائرة خاصة، تمهيداً لنقلها إلى بورتسودان.

وتمكنت الأجهزة المختصة من كشف خيوط العملية وتعقب مسار الأموال والشحنات، لتسقط المخطط قبل اكتماله، حيث ألقي القبض على المتهمين وأُحبطت محاولة تمرير العتاد إلى وجهته النهائية .

وكشفت التحقيقات أن المخطط لم يقتصر على الشحنة التي تم ضبطها، بل كان يمتد إلى تهريب خمسة ملايين طلقة غرانوف إضافية عبر ست صفقات أخرى أعدّ لها المتهمون، وأوضحت التحقيقات أن إحباط الشحنة الأولى حال دون تنفيذ تلك العمليات.

كما أسفرت التحقيقات عن أدلة دامغة، شملت ضبط وتحليل مستندات ووثائق مالية ومراسلات رسمية، إلى جانب تتبع التحويلات المصرفية والتدفقات النقدية المرتبطة بالصفقات، كما تضمنت الأدلة اعترافات عدد من المتهمين، فضلاً عن تسجيلات ومحادثات موثقة بين عدد منهم، كشفت بوضوح ترابط الأدوار وتكاملها في تنفيذ الوقائع محل الدعوى.

وكان النائب العام قد أعلن في 30 أبريل/نيسان 2025 أن أجهزة الأمن أحبطت محاولة لتمرير أسلحة وعتاد عسكري إلى سلطة بورتسودان بطريقة غير مشروعة، وألقت القبض على أعضاء خلية متورطة في عمليات اتجار غير مشروع بالعتاد العسكري وغسل الأموال، في واقعة شكلت الأساس للتحقيقات التي انتهت إلى هذه الإحالة.

وفي ختام بيانها، شددت النيابة العامة على أن دولة الإمارات لن تتهاون مع أي محاولة لاستغلال أراضيها أو مؤسساتها أو نظامها المالي في أنشطة غير مشروعة، مؤكدة أن سيادة الدولة وأمنها خط أحمر، وأن أحكام القانون ستُطبق بكل حزم على كل من يثبت تورطه، أو يخل بالنظام العام وبما يحفظ مكانة الإمارات العربية المتحدة كدولة قائمة على سيادة القانون والمؤسسات الراسخة.

وإلى جانب دعم المسار السياسي لإنهاء الحرب في السودان، برز الدور الإنساني للإمارات بشكل لافت، حيث قدمت مساعدات طبية وغذائية عاجلة للمتضررين من الحرب، ونظمت جسورًا جوية لنقل الإمدادات إلى المناطق المتأثرة، إضافة إلى دعم اللاجئين السودانيين في دول الجوار.

وتعكس هذه الجهود مقاربة شاملة للأزمة، تربط بين العمل الإنساني والتحرك الدبلوماسي، في محاولة لتخفيف معاناة المدنيين وتهيئة بيئة مواتية للحل السياسي. مع رفض واضح للتدخل العسكري. وبينما تبقى نتائج هذه المقاربة مرتبطة بتطورات الميدان، فإن استمرار الدفع نحو الحوار وتخفيف المعاناة الإنسانية يظل عنصرًا أساسيًا في أي مسار محتمل لإنهاء الحرب في السودان.