الانفاق التوسعي وتقلب أسعار النفط يضغطان على المالية السعودية

استمرار العجز عند مستويات مرتفعة قد يفرض تحديات تتعلق بإدارة الدين وكلفة خدمته، خاصة إذا استمرت أسعار النفط في التحرك ضمن نطاقات متقلبة.

الرياض - سجلت السعودية ارتفاعا في عجز ميزانيتها خلال الربع الرابع من عام 2025، في إشارة تعكس استمرار الضغوط المالية الناتجة عن سياسة الإنفاق التوسعي وتقلبات أسواق الطاقة، رغم تحسن بعض مؤشرات الإيرادات. وأعلنت وزارة المالية السعودية أن العجز بلغ نحو 25.28 مليار دولار في الربع الرابع، مقارنة بـ 23.59 مليار دولار في الربع الثالث، ما يعكس تسارع وتيرة المصروفات الحكومية بوتيرة تفوق نمو الإيرادات.

وبحسب البيانات الرسمية، وصل إجمالي الإنفاق إلى قرابة 98.89 مليار دولار خلال الربع الرابع، مرتفعا من 95.54 مليار دولار في الربع السابق، في حين ارتفعت الإيرادات إلى 73.57 مليار دولار مقابل 71.70 مليار دولار. ويشير هذا التباين بين نمو الإنفاق والإيرادات إلى استمرار النهج المالي التوسعي الذي تتبناه المملكة لدعم برامج التنمية الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل.

وسجل قطاع النفط الذي لا يزال يشكل الركيزة الأساسية للإيرادات العامة، تحسنا فصليا طفيفا مع زيادة الإنتاج، إذ بلغت الإيرادات النفطية نحو 41.10 مليار دولار في الربع الرابع مقارنة بـ 40.20 مليار دولار في الربع الثالث، إلا أن الصورة السنوية تكشف اتجاها مختلفا، إذ تراجعت الإيرادات النفطية الإجمالية بنحو 20 بالمئة خلال 2025 مقارنة بالعام السابق، وهو ما يعكس تأثير تقلب الأسعار العالمية على الموارد المالية للدولة.

في المقابل، سجلت الإيرادات غير النفطية نموا محدودا، إذ ارتفعت إلى حوالي 32.68 مليار دولار من 31.72 مليار دولار، لكنها ظلت شبه مستقرة على مدار العام، ما يشير إلى أن جهود تنويع الاقتصاد تحقق تقدما تدريجيا لكنه لم يصل بعد إلى مستوى يعوض تقلبات عائدات النفط.

وعلى مستوى الأداء السنوي، بلغ إجمالي عجز الميزانية في 2025 نحو 73.57 مليار دولار، متجاوزا التقديرات الرسمية التي كانت تشير إلى عجز بنحو 65.31 مليار دولار. ويعكس هذا الفارق بين التوقعات والنتائج الفعلية حجم الضغوط التي واجهتها المالية العامة، سواء من جهة ارتفاع المصروفات أو من جهة تقلب الإيرادات.

ولتمويل هذا العجز، واصلت الحكومة الاعتماد على أدوات الدين، إذ ارتفع إجمالي الدين العام إلى حوالي 405.17 مليار دولار بنهاية 2025، مقارنة بـ325.20 مليار دولار في نهاية 2024. ويعكس هذا الارتفاع لجوء الدولة إلى الاقتراض كوسيلة لتغطية الفجوة التمويلية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مستويات إنفاق مرتفعة لدعم مشاريع البنية التحتية والاستثمار.

واقتصاديا، يمكن قراءة هذه الأرقام ضمن سياق أوسع يتمثل في استراتيجية التحول الهيكلي التي تنتهجها المملكة، حيث تفضل السلطات تحمّل عجز مالي مرحلي مقابل تسريع الاستثمار في القطاعات غير النفطية، على أساس أن العوائد المستقبلية للنمو والتنويع ستعوض الضغوط الحالية.

غير أن استمرار العجز عند مستويات مرتفعة قد يفرض تحديات تتعلق بإدارة الدين وكلفة خدمته، خاصة إذا استمرت أسعار النفط في التحرك ضمن نطاقات متقلبة.

وتعكس بيانات الربع الرابع صورة مالية مزدوجة الملامح: من جهة هناك نمو في الإيرادات وتحسن نسبي في النشاط الاقتصادي، ومن جهة أخرى يظل الإنفاق المرتفع والعجز المتصاعد مؤشرين على مرحلة انتقالية تتطلب توازنا دقيقا بين دعم النمو والحفاظ على الاستدامة المالية.