التصوّف والأنسنة في طقطوقة 'الفل والياسمين والورد'
تُعد طقطوقة "الفل والياسمين والورد" (1926) من بدايات التعاون بين الشاعر أحمد رامي (1892 – 1981) وأم كلثوم (1898 – 1975)، وهي تمثل مرحلة الانتقال من "الغناء الصيت" إلى الأغنية الرومانسية المنظمة، وقام بتلحينها الطبيب أحمد صبري النجريدي (1900 – 1969).
تبدأ الأغنية بمذهب (الفل والياسمين...) يليه عدة كوبليهات (أغصان) تعود دائمًا للمذهب. وقد اعتمد رامي على نظام "المربعات" في الأغصان، مع قافية موحدة في نهاية كل غصن ترتبط بقافية المذهب، مما يخلق وحدة عضوية موسيقية.
يبدأ النص بوصف خارجي (الطبيعة والزهور) ثم ينتقل للمقارنة (تفضيل الحبيب) وصولاً إلى الاستسلام التام (الطاعة للهائم).
وقد أنسنَ رامي الزهور (عملوا صحبة، ربطوا عهد)، فجعل الورد والياسمين كيانات حيَّة تتآمر لتنافس جمال الحبيب، وهو استحضار لصور الشعر العربي القديم لكن بلغة قريبة وسلسة.
ركَّز النص على مقارنة الحواس؛ فالزهور لها "الريح" و"اللون"، لكن الحبيب يجمع "اللون الزاهي" مع "سحر الجفن" و"خفَّة القوام"، مما يجعل جماله "مركبًا" وجمال الزهر "بسيطًا".
وقد واكب النجريدي كلمات الأغنية، فاتسم لحنه بالخفة والزخارف التطريبية التي تناسب روح العشرينيات، حيث استخدم مقامات شرقية (غالبًا البياتي) لإبراز دلالات الدلع والتدلُّل في النص.
يطرح النص فكرة تفوق الإنساني على الطبيعي. رغم أن الورد أصل الجمال في الطبيعة، إلا أن جمال الحبيب هو "المعيار". وتظهر ثنائية الزوال والخلود بوضوح في قول الشاعر: "حسنكم يفضل ساعة وحسن محبوبي دايم". هنا فلسفة بسيطة تفرق بين الجمال العارض المتمثل في (الزهر الذي يذبل) والجمال المطلق المتمثل في (المحبوب) الذي يسكن الوجدان فلا يزول بزوال المادة.
أما جدلية "الحسن" و"الإدراك"، فتتجلَّى في أن الجمال ليس فقط شكلاً (ألوان) بل "روح" (تعاجب، خطر، سحر الجفون). فالطبيعة تملك الشكل، لكن الإنسان وحده هو الذي يملك "الدلال" الذي يمنح الجمال معناه.
في عام 1926 كانت تلك الأغنية تمثل "ثورة ناعمة"؛ حيث نقلت الغزل من الكلمات الفجَّة أو المباشرة إلى فضاء الرومانسية الزهرية التي تمزج بين رقّة الطبيعة وعنفوان العاطفة. بل نقلته إلى بعد صوفي نلاحظه في قول الشاعر:
''ده حسنكم يفضل ساعة وحسن محبوبي دايم
ما فيش بقى الا الطاعة للي أنا في حبه هايم''
يأخذ هذان البيتان الأغنية أو الطقطوقة من سياق "الغزل الحسي" التقليدي إلى آفاق "العشق الإلهي" أو "الحب الصوفي"، حيث تتحول المقارنة بين الزهور والحبيب إلى مقارنة بين "الفاني" و"الباقي". حيث تبرز ثنائية الزمني والسرمدي،
يقول الشاعر: "ده حسنكم يفضل ساعة". وفي الفكر الصوفي نجد الجمال الأرضي (الزهور، الطبيعة، الوجوه) يُسمى "الجمال العارض" أو "الفيء الزائل". هو "ساعة" أي لحظة زمنية محدودة في عمر الكون، فهو جمال "مستعار" ينتهي بذبول الزهر.
أما "وحسن محبوبي دايم" فتحمل إشارة لـ "الجمال المطلق" حيث يرى الصوفي أن محبوبه الحقيقي (الذات الإلهية) هو مصدر الجمال الذي لا يعتريه الذبول. وكلمة "دايم" هي صفة من صفات الحق، ونقلها للحبيب ترفع مرتبة الحب من مجرد إعجاب بشخص إلى "فناء" في صفات الكمال الدائمة.
وفي قوله "للي أنا في حبه هايم" نجد أن الهيام في اللغة هو الشطح والذهاب على غير هدى من شدة الوجد. في الصوفية، "الهائم" هو الذي سُلب لبُّه بشهود الجمال، فلم يعد يبصر سواه. وقد استخدم رامي كلمة "هايم" ليُخرج الحب من دائرة "التعلق العقلاني" إلى دائرة "الجذب الصوفي"، حيث المحب مغلوبٌ على أمره.
"ما فيش بقى إلا الطاعة"، هذا هو جوهر العلاقة بين المريد ومحبوبه. الطاعة هنا ليست إكراهًا، بل هي "طاعة الحب" التي تنفي "الأنا". عندما يقرر الشاعر أنه "لا يوجد إلا الطاعة"، فهو يعلن حالة "الفناء في المحبوب"؛ أي سقوط إرادة المُحب أمام إرادة محبوبِه.
وفي التراث الصوفي، يُقال: "المحب لمن يحب مطيع"، وهنا يصل رامي لقمة الطاعة والتسليم بأن جمال المحبوب "الدائم" فرض سلطانه على قلب المُحب، فلم يعد يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا إلا "الطاعة".
الشاعر بدأ بذكر الزهور (المتعدد) لينتهي بالحبيب (الواحد). والصوفي دائمًا يرى في جمال الزهر "أثرًا" من جمال الخالق، لكنه لا يقف عند "الأثر" بل ينفذ إلى "المؤثر". فكأنه يقول: "يا زهور، أنتم جميلون لبرهة، لكن صانع جمالكم (المحبوب الدايم) هو الأحق بالهيام والطاعة".
لا شك أن هذه الأبيات ما هي إلا لحظة "تجلي" داخل تلك الطقطوقة، التي حوَّلت الأغنية من "خفّة الدلع" إلى "وقار الوجد"، حيث يصبح الحبيب رمزًا لكل ما هو كامل، وباقٍ، ومنتصر على الزمن.
وليس هناك شك أن كلمات أحمد رامي تأثرت بعمق بالروح الصوفية والفلسفية نتيجة انغماسه في أدب الشرق، وتحديداً من خلال رحلته مع "رباعيات الخيام" التي ترجمها عن الفارسية، وغنَّت أم كلثوم بعض أبياتها (1950). هذا التأثير ظهر بوضوح في صياغته لهذه الأغنية وغيرها.
في الرباعيات، ركَّز الشاعر عمر الخيام النيسابوري (1048 – 1131) على أن الزهر يضحك اليوم ويذبل غدًا، وقد نقل رامي هذا المعنى في قولـه: "ده حسنكم يفضل ساعة"؛ فهي نظرة "خياميَّة" ترى الزوال في كل جمال مادي، مما يدفع المُحب للبحث عن "الجوهر الدائم".
وبهذا المعنى فإن رامي لم يكن يكتب غزلاً حسيًّا فجًّا، بل كان يغلف المحبوب بهالة من القدسية. وتأثره بأعلام الصوفية الفارسية (مثل حافظ الشيرازي وجلال الدين الرومي) جعل "المحبوب" في قصائده رمزًا للجمال الإلهي أو الكمال المطلق. لذا، تجد "الطاعة" و"الهيام" مفردات تنتمي للسلوك الصوفي (العلاقة بين المريد والشيخ، أو العبد والربّ) أكثر من انتمائها لعلاقة عاطفية عابرة.
إن ترجمة رامي للخيام جعلته يدرك أن العالم "فناء"، وأن الحقيقة الوحيدة هي "العشق". وفي الأغنية، نجد رامي "يزهد" في جمال الفل والياسمين (رغم روعتهما) لأن جمالهما "محدود بزمن"، ويختار "الهيام" في الجمال "الدائم". وهذا الانتقال من المتعدد (الزهور) إلى الواحد (المحبوب) هو جوهر التوحيد الصوفي.
وتكمن عبقرية رامي في أنه أخذ هذه المفاهيم الفلسفية المعقدة (البقاء، الفناء، الهيام، الطاعة) وصبّها في قالب "عامية راقية". وجعل المستمع البسيط يردد كلمات صوفية عميقة دون أن يشعر بالتعقيد، وهو ما نلمسه في قوله: "ما فيش بقى إلا الطاعة"، فهي جملة تُقال في الحياة اليومية، لكنها في سياق القصيدة تعني "الاستسلام التام للقدر والجمال".
وليس هناك شك في أن أحمد رامي جعل من حنجرة أم كلثوم "جسرًا" نقل عبره أنوار التصوف الفارسي وفلسفة الخيام (وسيتضح هذا أكثر في "رباعيات الخيام") محولاً الأغنية المصرية من مجرد "تسلية" إلى "مناجاة وجدانية".
تقول كلمات أغنية "الفل والياسمين والورد":
''الفل والياسمين والورد عملوا سوى صحبة موضة
ويا الزهور دول ربطوا عهد عنا ف حبيبي في الروضه
صحيح تشابهم وجناته لكن وفين لونه الزاهي
وسحر جفنه ولحظاته وورد خده ده الباهي
ده حسنكم يفضل ساعة وحسن محبوبي دايم
ما فيش بقى الا الطاعة للي أنا في حبه هايم
الزهر بعضه له ألوان والبعض له ريحه جميلة
وحبي فيه حُسن البستان ما فيش بقى ف حبه حيله
يا سلام عليه لما يخطر يميل ويتعاجب بقوام
ما فيش كده أبدا مظهر من دي المحاسن آه يا سلام.''