التطرف يطرق أبواب فرنسا وسط أزمة سياسية
باريس – أعاد حادث الدهس الذي وقع في جزيرة أوليرون غرب فرنسا، وأدى إلى إصابة خمسة أشخاص، اثنان منهم في حالة حرجة، تسليط الضوء مجدداً على الهواجس الأمنية التي تخيّم على البلاد في وقت تشهد فيه البلاد اضطرابات سياسية واجتماعية غير مسبوقة.
وقال وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، الخميس، إن التحقيقات الأولية تشير إلى أن السائق المشتبه به "اعتنق أفكاراً متطرفة"، مشيراً إلى العثور على "إشارات دينية صريحة" في منزله، إضافة إلى أنه هتف "الله أكبر" أثناء تنفيذ الهجوم، موضحا أن السلطات تنتظر نتائج الفحوص النفسية والتقييمات الأمنية لتحديد ما إذا كان الدافع دينياً أو ناجم عن اضطراب عقلي.
ورغم أن النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب لم تتبنَّ بعد التحقيق رسمياً، إلا أن المؤشرات الأولية تضع القضية ضمن سلسلة من الحوادث التي تثير مخاوف من عودة التهديد الإرهابي إلى الواجهة بعد سنوات من الهدوء النسبي.
أزمة سياسية تُضعف الجبهة الداخلية
ويأتي هذا الحادث في وقت تواجه فيه فرنسا أزمة سياسية حادة منذ الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي أفرزت برلماناً منقسماً وصعوبة في تشكيل حكومة مستقرة، ما انعكس على قدرة الدولة على ضبط الخطاب العام ومواجهة تنامي التوترات الاجتماعية والهوياتية.
ويرى محللون أن الانقسام السياسي العميق وتراجع الثقة في مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية قد يخلق مناخاً خصباً لانتعاش نزعات التطرف، سواء من اليمين المتشدد الذي يستغل الهجمات لتمرير خطاب معادٍ للمهاجرين، أو من شبان يعانون من التهميش الاجتماعي ويجدون في الفكر المتطرف ملاذاً للتعبير عن غضبهم.
وفي السنوات الأخيرة، نجحت فرنسا في تفكيك عشرات الخلايا الإرهابية، وتراجعت الهجمات الكبرى التي شهدتها البلاد بين عامي 2015 و2017، لكن تقارير استخبارية حديثة حذّرت من أن التهديد الإرهابي لم يختفِ بل تغيّر شكله، مع تصاعد ظاهرة "الذئاب المنفردة" التي تتبنى الفكر المتطرف دون ارتباط تنظيمي مباشر.
وتواجه السلطات الفرنسية اليوم معادلة معقدة: تعزيز الأمن دون المساس بالحريات العامة، واحتواء الغضب الاجتماعي دون السماح بتغذية الخطاب الشعبوي أو التمييزي.
ويرى خبراء أن تصريحات وزير الداخلية تعكس حرص الحكومة على الموازنة بين الاعتراف بخطورة الحادث وتجنب إثارة موجة ذعر أو توجيه اتهامات متسرعة للمجتمعات المسلمة، خصوصاً بعد تكرار النقاشات الحادة حول الهوية العلمانية وارتداء الرموز الدينية في المدارس.
ويُضاف إلى ذلك التحدي المتنامي في الضواحي الفرنسية حيث تتقاطع البطالة، وسوء الخدمات، والشعور بالتهميش مع محاولات جماعات متطرفة لاستغلال هذه الظروف لتجنيد عناصر جديدة.
وفي ظل غياب نتائج التحقيق النهائية، تظل جميع الفرضيات مفتوحة، لكن الحادث أعاد طرح سؤال الأمن الوطني بقوة، خاصة مع اقتراب استحقاقات انتخابية جديدة واحتدام الجدل حول الهجرة والاندماج.
ويرى مراقبون أن أي تصاعد في أعمال العنف الفردي ذات الطابع الديني أو العرقي قد يعيد إلى الأذهان سنوات الخوف التي عاشتها فرنسا بعد هجمات باريس ونيس، ويهدد بتأجيج الانقسامات في مجتمع يعيش بالفعل حالة استقطاب حاد.
وفيما تتواصل التحقيقات، يترقب الفرنسيون بحذر نتائج التقييم الأمني والنفسي للسائق، وسط شعور عام بأن البلاد تدخل مرحلة دقيقة يتقاطع فيها التحدي الأمني مع الأزمة السياسية في اختبار جديد لقدرة الدولة الفرنسية على حماية وحدتها واستقرارها.