الجدل يلاحق 'سفاح التجمع'

ردود الفعل حول العمل تتباين بين مؤيد ومعارض مع تصاعد التساؤلات حول أسباب السحب وتأثيره على مستقبل الأعمال السينمائية الجريئة في المشهد الفني العربي.

لقاهرة ـ شهد فيلم "سفاح التجمع" واحدة من أكثر الأزمات إثارة للجدل في الوسط السينمائي المصري خلال الفترة الأخيرة، بعد قرار سحبه من دور العرض عقب ساعات قليلة فقط من طرحه، ثم إعادة طرحه لاحقًا بعد تعديلات رقابية، قبل أن تتفاقم الأزمة من جديد مع واقعة تسريب نسخة مصوّرة خلسة داخل إحدى دور السينما.

وقد فتح هذا التطور بابا واسعا للنقاش حول أسباب المنع، وحدود الحرية الفنية، ومسؤولية صناع العمل والجهات الرقابية، إلى جانب ردود الفعل المتباينة من الجمهور والنقاد وصنّاع السينما.

في قلب هذه الأزمة، برزت أسباب رقابية واضحة استندت إليها هيئة الرقابة على المصنفات الفنية، وهي جهة حكومية مسؤولة عن مراجعة الأعمال السينمائية قبل عرضها. فقد أوضحت الهيئة أن قرار وقف العرض لم يكن تعسفيا، بل جاء نتيجة عدم التزام جهة الإنتاج والجهات المنفذة بالنسخة المُجازة رقابيًا من السيناريو والحوار. ووفقا للبيان الرسمي، تضمنت النسخة التي عُرضت في دور السينما مشاهد وأحداثا لم تكن موجودة في النص الذي حصل على الموافقة المسبقة، وهو ما اعتبر مخالفة صريحة لشروط الترخيص.

ومن بين أبرز أسباب المنع أيضا احتواء الفيلم على مشاهد عنف حاد وقسوة مفرطة، اعتبرتها الرقابة غير متوافقة مع التصنيف العمري الممنوح للعمل، بالإضافة إلى تأثيرها المحتمل على القيم المجتمعية. وهنا يظهر التوازن الذي تحاول الرقابة تحقيقه بين دعم حرية الإبداع من جهة، وحماية الجمهور من المحتوى غير المناسب من جهة أخرى. وقد شددت الهيئة على أنها لا تعارض الفن أو تمنعه، لكنها تلتزم بتطبيق القوانين المنظمة، بما يضمن توافق المحتوى مع المعايير الأخلاقية والاجتماعية.

إلى جانب ذلك، برز سبب إداري مهم تمثل في عدم تطابق النسخة النهائية للفيلم مع النسخة التي تمت مراجعتها رقابيًا، وهو ما أثار تساؤلات حول آليات التنسيق بين صناع العمل والجهة الرقابية. وقد طالبت الهيئة بإعادة حذف المشاهد المخالفة، والالتزام الكامل بالنسخة المجازة، قبل السماح بإعادة العرض، وهو ما يعكس تشددًا في تطبيق الإجراءات التنظيمية المرتبطة بصناعة السينما.

في المقابل، جاءت ردود فعل صناع العمل متباينة لكنها تميل إلى الاعتراض على قرار السحب. فقد عبّر المؤلف محمد صلاح العزب في تصريحات خاصة لموقع "سكاي نيوز عربية" عن استغرابه من القرار، مشيرا إلى أن النسخة التي تم عرضها حصلت على موافقة رسمية مسبقة، وأنه تم عقد جلسات مشاهدة مع الرقابة قبل منح التصريح النهائي. واعتبر أن الرجوع إلى ملاحظات تتعلق بالسيناريو بعد إجازة النسخة المنفذة يطرح علامات استفهام حول آلية اتخاذ القرار، ويحمّل الجهات الرقابية جزءًا من المسؤولية.

أما المؤلف محمد سيد بشير، فقد لفت الأنظار إلى أزمة تسريب نسخة مصورة من الفيلم داخل إحدى القاعات، معربًا عن دهشته من انتشار العمل بهذه الطريقة رغم قصر مدة عرضه. هذه الواقعة أضافت بُعدًا جديدًا للأزمة، حيث أثارت مخاوف تتعلق بحقوق الملكية الفكرية، وضعف الرقابة داخل دور العرض، إضافة إلى التأثير السلبي على العائدات التجارية للفيلم.

من جانبه، التزم الفنان أحمد الفيشاوي، بطل العمل، رد فعل هادئ نسبيًا، حيث عبّر عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي عن دهشته من قرار السحب دون الدخول في تفاصيل مباشرة حول أسباب الأزمة، مكتفيًا بالإشارة إلى حالة من "الدهشة والصمت". ويُعد الفيشاوي من أكثر الوجوه الفنية التي ارتبطت أسماؤها بالأعمال المثيرة للجدل، وهو ما زاد من اهتمام الجمهور بتصريحاته وردود فعله.

أما على مستوى الإنتاج، فقد وجدت شركة السبكي للإنتاج السينمائي نفسها في قلب الجدل، خاصة وأن الفيلم كان ضمن الأعمال المنافسة في موسم عيد الفطر. وقد مثّل قرار السحب ضربة قوية لتوقعات الإيرادات، خصوصًا بعد تحقيق الفيلم لأرقام أولية خلال ساعات عرضه الأولى، ما جعل القرار مفاجئًا ليس فقط للجمهور، بل أيضًا لصناع السينما الذين كانوا يتوقعون نجاحًا تجاريًا كبيرًا.

في السياق ذاته، انقسمت ردود فعل النقاد بين مؤيد لقرار الرقابة ومعارض له. فبعضهم رأى أن الالتزام بالمعايير الرقابية ضرورة لضبط المحتوى وحماية المجتمع، خاصة في الأعمال المستوحاة من جرائم حقيقية قد تُعرض بطريقة قد تُفهم بشكل خاطئ أو تُثير الجدل الأخلاقي. بينما رأى آخرون أن المنع ليس الحل الأمثل، وأن الفن يجب أن يُمنح مساحة للتعبير عن القضايا الشائكة، حتى لو كانت صادمة، باعتبار أن السينما وسيلة لفهم الواقع وليس تجميله.

وقد أشار بعض النقاد إلى أن الفيلم يتناول قضية حقيقية أثارت الرأي العام في مصر، متعلقة بجرائم قاتل متسلسل، وهو ما يضعه ضمن الأعمال التي تتعامل مع مواد حساسة بطبيعتها. ومن هذا المنطلق، رأى فريق من النقاد أن المعالجة الفنية لهذه القضايا يجب أن تكون متوازنة، بحيث لا تتحول إلى إثارة مبالغ فيها أو استغلال تجاري لمعاناة حقيقية.

على الجانب الآخر، أكد مؤيدو قرار الرقابة أن ما حدث لا يُعد منعًا مطلقًا للفيلم، بل تعليقًا مؤقتا مشروطًا بتنفيذ التعديلات المطلوبة، وهو ما يعكس وجود آلية تصحيحية تسمح بعودة العمل إلى دور العرض بعد الالتزام بالضوابط. واعتبروا أن هذا النهج يحقق التوازن بين حرية الإبداع والمسؤولية الاجتماعية.

وتكشف أزمة فيلم "سفاح التجمع" عن إشكالية أعمق تتعلق بعلاقة الفن بالرقابة في العالم العربي، وحدود الحرية الفنية في تناول القضايا الحساسة. كما تطرح تساؤلات حول مدى وضوح الإجراءات الرقابية، وضرورة تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية وصناع الأعمال لتفادي أزمات مماثلة مستقبلًا.

وبينما تتواصل ردود الفعل، يظل الفيلم مثالًا على الأعمال التي تثير الجدل قبل وأثناء وبعد عرضها، ليس فقط بسبب محتواها، بل أيضًا بسبب التفاعل الواسع الذي تخلقه بين مختلف الأطراف، من رقابة وصناع فن وجمهور ونقاد، في مشهد يعكس حيوية النقاش حول دور السينما في المجتمع وحدود حريتها.