الجزائر تعيش ازمة عميقة بعد اربعين عاما من استقلالها

الجزائر - من مارك بوندافين
الشباب الجزائري محبط الى ابعد الحدود

بعد اربعين سنة من استقلال حققته في اعقاب حرب ضروس استغرقت اكثر من سبع سنوات ضد الاستعمار الفرنسي، تشهد الجزائر ازمة اجتماعية عميقة على خلفية عنف الجماعات الاسلامية المسلحة والصدامات بينها وبين العسكريين.
وافادت حصيلة رسمية ان ما لا يقل عن مئة الف شخص قتلوا منذ اندلاع اعمال العنف سنة 1992 في الجزائر.
واندلع العنف اثر الغاء الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية التي فازت بها الجبهة الاسلامية للانقاذ وما زال متواصلا الى يومنا العنف الذي ادى الى سقوط اكثر من 700 قتيل منذ مطلع السنة الجارية وحدها.
وفي مرحلة اولى جسدت الجبهة الاسلامية للانقاذ، التي تأسست في سياق الانفتاح الديموقراطي بعد اضطرابات تشرين الاول/اكتوبر 1988 وكان بمثابة نهاية عشرين سنة من نظام الحزب الواحد، آمال الجزائريين الذين سئموا الفقر الناجم عن تسيير البلاد من طرف جبهة التحرير الوطني (الحزب الواحد سابقا).
وباتت جبهة التحرير الوطني التي حكمت البلاد بالمنحى الاشتراكي وما رافقه من بيروقراطية منذ 1962، غير قادرة على مواجهة حركة الاحتجاج الاجتماعية خصوصا منذ عام 1986 بسبب انهيار اسعار المحروقات التي تدر على البلاد كامل مواردها تقريبا من العملة الصعبة.
واضطر المسؤولون تحت ضغط الشارع الى اعادة النظر في سياستهم وقبول التعددية الحزبية بعد "حوادث اكتوبر 88" التي اسفرت عن مقتل 500 شخص حسب الصحافة.
وادت اعادة النظر في السياسة الاقتصادية والاجتماعية في 1994 الى تبني خطة لاعادة الهيكلة فرضها صندوق النقد الدولي الامر الذي اسفر عن غلق اكثر من الف مؤسسة حكومية وفصل مئات آلاف العمال.
واليوم لا تزال الجزائر التي لم تتمكن من جلب المستثمرين الاجانب، تشهد نسبة بطالة مرتفعة جدا تطال ثلاثين بالمئة من القوى العاملة حسب الارقام الرسمية.
وزاد في خطورة هذه الظاهرة التكاثر السكاني الذي جعل عدد السكان في الجزائر يقفز من عشرة ملايين نسمة غداة الاستقلال في 1962، الى 31 مليونا في 2002، الامر الذي تسبب في انتشار البؤس بين الجزائريين بحيث بات نصفهم اليوم تحت عتبة الفقر.
ودفع هذا الوضع بالعديد من الجزائريين الى الانضمام الى المجموعات الاسلامية المسلحة والاعتصام بمعاقلها ولكن الجيش تمكن من التصدي لحركة التمرد المسلحة ثم الحد منها.
وبات الانتقال الى اقتصاد السوق، الذي ما انفك الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة يؤكد عليه منذ انتخابه في نيسان/ابريل 1999، يتجسد بصعوبة بسبب العراقيل البيروقراطية التي يندد بها رئيس الدولة.
ومن بين التناقضات التي تشهدها البلاد فوز جبهة التحرير الوطني التي باتت اثر عملية تجديد اول قوة سياسية في البلاد، بالانتخابات التشريعية التي جرت في الثلاثين من ايار/مايو، لتكون بذلك الحزب المرشح لادخال الجزائر في العولمة.
واكد رئيسها علي بن فليس، الذي يرأس الحكومة منذ اب/اغسطس 2000 ، على "ارادته الحازمة" في كسب معركة التحديث.
ولم يتوقف بن فليس خلال الاسابيع الماضية عن التشديد على ان جبهة التحرير الوطني يجب ان تكون منفتحة على كل الكفاءات، لا سيما من الشباب والنساء.
وتضم الحكومة التي شكلت مؤخرا خمس نساء بين اعضائها بينما لم تكن في الحكومة السابقة اي امرأة.
وشدد الرئيس بوتفليقة خلال اول اجتماع لمجلس الوزراء الذي عقد في الثاني والعشرين من حزيران/يونيو، على تجسيد الاصلاح المالي في اقرب وقت لانه "يشكل احد الشروط الاساسية في اعادة انطلاق الاقتصاد".
غير ان كل هذه المحاولات تحاصرها الشكوك من الجزائريين الذين يطحنهم الفقر والبطالة من جانب، وحوادث العنف والقتل التي لا تتوقف من جانب آخر، حتى بات اكثر الشباب يرون ان الهجرة لاوروبا هي مخرجهم الوحيد. اما شباب منطقة القبائل فمشكلتهم اكبر واعمق. انهم يطالبون بالاعتراف بهويتهم، ويشعرون انهم مهمشون لا وزن لهم في المجتمع. وما سلسلة الاضطرابات والمظاهرات التي شهدتها مدن القبائل الا تعبيرا عن احساسهم المفرط باليأس والاحباط.
الجزائر تعيش ازمة سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة بلا شك، ويبدو ان اربعين عاما من الاستقلال لم تسهم في الوصول بالجزائر الى ما كان يحلم به ثوارها.