الجزائر متوجسة من ارتداد أحداث مالي على أمنها القومي

أحمد عطاف يعلن رفض الجزائر كل أشكال ومظاهر الإرهاب أو التسامح معه أيا كانت دوافعه ومسبباته.

الجزائر - يشكّل تمدد الجماعات المسلحة في مالي أحد أبرز التحديات الأمنية التي تواجه الجزائر وتجعلها في مواجهة مباشرة مع تداعيات عدم الاستقرار في منطقة الساحل، ما يعرض أمنها القومي لضغوط متزايدة، لذلك أثارت الهجمات المسلحة التي استهدفت مواقع عسكرية في مالي قلقا جزائريا وهو ما برز في تصريحات وزير الخارجية أحمد عطاف التي أكد فيها دعمه لوحدة مالي ورفض بلاده "كافة أشكال الإرهاب" رغم التوتر بين البلدين.

وفي أول تعليق رسمي على الهجمات المسلحة في مالي، أكد عطاف في تصريحات نقلتها قناة الجزائر الدولية الإخبارية، "موقف الجزائر الواضح والثابت والداعم لوحدة مالي أرضا وشعبا ومؤسسات". وشدد على أن بلاده "ترفض قطعا كل أشكال ومظاهر الإرهاب الذي لا يمكن تبريره أو التسامح معه أيا كانت دوافعه ومسبباته، وهو ما تُمليه على الجزائر تجربتها المريرة مع هذه الآفة".

وتوسع الجماعات الجهادية في مالي لا يهدد استقرارها الداخلي فحسب، بل يمتد تأثيره ليشمل الجزائر والمنطقة بأكملها. ويظل التعامل مع هذا التحدي مرهوناً بقدرة دول المنطقة على تعزيز التعاون الأمني، وإطلاق مسارات تنموية تعالج جذور الأزمة، إلى جانب دعم استقرار مالي كركيزة أساسية لأمن الساحل وشمال أفريقيا.

ونظراً لطول الحدود المشتركة بين الجزائر ومالي واتساعها عبر مناطق صحراوية يصعب ضبطها بشكل كامل، تجد الجزائر نفسها أمام تصاعد التهديدات الإرهابية، حيث تضطر السلطات إلى تعزيز الانتشار العسكري على الحدود الجنوبية، ما يفرض أعباء مالية وبشرية كبيرة. كما يخلق هذا الوضع حالة استنفار دائم، ويزيد من تعقيد مهمة مراقبة تحركات الجماعات المسلحة وشبكات التهريب التي قد تتقاطع مع نشاطها.

لذلك تبدو الجزائر حريصة على دعم استقرار مالي، ودعا عطاف إلى "تقوية اللحمة الوطنية داخل دولة مالي الشقيقة، لأن هذه اللحمة خير رادع لظاهرة الإرهاب، وهي الدرع الذي يمكن حقا التعويل عليه".

وتعيش مالي مؤخرا حالة توتر أمني حاد بعد سلسلة هجمات منسّقة شنّتها مجموعات مسلّحة متحالفة بين "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بالقاعدة ومقاتلين طوارق من "جبهة تحرير أزواد"، استهدفت مواقع عسكرية واستراتيجية في عدة مناطق من البلاد.

وفي وقت سابق الاثنين، أعلنت الحكومة الانتقالية في مالي، مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا، إثر هجمات شنتها منسقة نفذتها جماعات مسلحة، تخللتها اشتباكات عنيفة وأصوات إطلاق نار وانفجارات في عدة مواقع عسكرية في أنحاء متفرقة من البلاد على رأسها العاصمة باماكو. في ضربة قوية للمجلس العسكري الحاكم.

ومن أبرز المواقع المستهدفة "معسكر كاتي" الاستراتيجي، ومحيط مطار موديبو كيتا في باماكو، إضافة إلى مدن كيدال وغاو (شمال) وسيغو (وسط)، حيث سجلت مواجهات متفرقة وأصوات انفجارات في عدد من النقاط العسكرية.

وأعلن المتمردون الطوارق سيطرتهم على مدينة كيدال في الشمال، إضافة إلى مواقع أخرى في منطقة غاو، وسط حديث عن انسحابات وتحركات عسكرية متسارعة في المنطقة.

وفي المقابل، أكد الجيش المالي مواصلة عملياته لاحتواء الوضع، فيما سُجلت اشتباكات متفرقة في مناطق أخرى بينها سيفاري، مع إصابات في صفوف المدنيين والعسكريين.

ونشبت خلافات حادة بين الجزائر ومالي منذ أكثر من سنتين، بعد أن أعلن المجلس العسكري في باماكو، في كانون الثاني/ يناير 2025، إنهاء العمل بشكل فوري باتفاق الجزائر للسلام الذي يعود لسنة 2015 متهما الجزائر بالقيام بـ"أعمال عدائية" ضده من بينها دعم فصائل معارضة له.
وردت الجزائر في ذلك الحين، باستدعاء سفير مالي لديها، ماهامان أمادو مايغا، وإبلاغه عن طريق وزير الخارجية شخصيا أحمد عطاف، بأن كافة المساهمات التاريخية للجزائر كانت تصب في صالح تعزيز السلم والأمن والاستقرار، وفق مبدأ وحدة الأراضي المالية.

ثم تدهورت العلاقات بين البلدين بشكل كبير في نيسان/ أبريل 2025 بعد حادثة إسقاط طائرة درون تابعة للجيش المالي دخلت المجال الجوي الجزائري. وسرعان ما أخذت هذه الحادثة أبعادًا سياسية أوسع، بإعلان دول مالي والنيجر وبوركينافاسو المتحالفة فيما بينها، استدعاء سفرائها من الجزائر التي ردّت مباشرة بالمثل. لكن الجزائر استعادت مؤخرا علاقاتها مع النيجر ووقعت معها على عدة اتفاقات اقتصادية.

وقبل ذلك، عرفت العلاقات الجزائرية المالية حالة توتر بسبب خيارات القيادة العسكرية في باماكو عقب الانقلاب في اعتماد الحل العسكري في حل معضلة الأزواد، وهو إقليم مكون من عرب وطوارق شمال مالي ظل يطالب بتكريس خصوصياته الثقافية والعرقية منذ عدة عقود.

وبرزت خلال السنوات الأخيرة جماعات مرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش، مثل "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، التي عززت حضورها في شمال ووسط مالي، مستفيدة من هشاشة الدولة هناك وتعقيدات المشهد السياسي. وهذا التوسع يرفع من احتمالات تسلل عناصر مسلحة عبر الحدود، أو استخدام الأراضي المالية كقاعدة لشن عمليات تهدد الأمن الجزائري.

وإلى جانب البعد الأمني، هناك تأثيرات اقتصادية غير مباشرة، إذ تؤثر حالة عدم الاستقرار في مالي على حركة التجارة العابرة للحدود، وتحدّ من فرص التعاون الإقليمي والتنمية في المناطق الحدودية. كما أن استمرار التوتر يعرقل مشاريع الربط الاقتصادي بين دول الساحل وشمال أفريقيا.