الجزري أوّل من صنع الإنسان الآلي في التاريخ

عبقري الهندسة الميكانيكية ومجسّد التقنية الإسلامية في العصور الوسطى يعدّ واضع أسس المحركات الحديثة وعلم الروبوتات من خلال كتابه 'الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل'.
صلاح عبدالستار محمدالشهاوي
طنطا

بديع الزمان الجزري (1165-1210م)، هو محمد بن محمد بن محمد أبو العز أبوبكر إسماعيل بن الرزاز، الملقب بالجزري نسبة إلى موطنه أرض الجزيرة (جزيرة بين نهري دجلة والفرات شمال سورية). يكتب اسمه بأحد الهجائين في اللغات الأوربية Al-Jazari أو Aljazari.

مهندس ميكانيكي ومخترع عظيم، إنجازاته تعد مثالاً لما بلغته الفنون الهندسية والصناعات الميكانيكية من مكانة متقدمة في ظل الحضارة العربية الإسلامية.

درس الرياضيات وما توافر في عصره من معلومات فيزيائية ومعلومات خاصة بالتطبيقات الصناعية، وقرن الدراسة النظرية بالتجريب. وكان لا يثق بالنظريات الهندسية ما لم تؤكدها التجارب العملية. 

خدم الجزري في بلاط ملوك ديار بكر التركمانيين الذين كانوا تابعين للدولة الأيوبية في عهد مؤسسها صلاح الدين، وكان الجزري مكلفاً بصفه خاصة بصنع الآلات الميكانيكية مثل أجهزة التوقيت وآلات الزراعة والري والألعاب العجيبة المسلية، وقد رفعته خبرته العلمية وقدراته الابتكارية إلي مرتبة ريس الأعمال (كبير مهندسي الدولة).

ألف الجزري كتاب "الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل"، المعروف بـ "في معرفة الحيل الهندسية" وزوده بعدد وافر من الصور والأشكال التوضيحية، بناء علي طلب الملك ناصر الدين محمود بن محمد التركماني، الذي رأي أن يجمع فيه الجزري معارفه وخبراته لئلا تفني معه، ومن العجب أن الجزري توفي في نفس العام الذي أنجز فيه هذا العمل الكبير.

يقع الكتاب في خمسة أجزاء يختص كل منها بقسم من أقسام الحيل أو تكنولوجيا الصناعات. 

أطولها قسم الساعات المائية، وقسم آخر يعالج موضوع آلات رفع الماء. أما ساعات الجزري فكانت تستخدم دُمي ذاتية الحركة لتشير إلى مرور الوقت، مثل طيور تقذف من مناقيرها كرات صغيرة فوق صنوج، أو أبواب تفتح ليخرج منها أشخاص، أو دوائر بروج تدور، أو موسيقيين يقرعون الطبول وينفخون الأبواق، وفي معظم هذه الساعات كان المحرك الأول ينقل الطاقة إلي الدمى بواسطة أنظمة بكرات بالغة الدقة. 

وأما قسم ألآت رفع الماء ففيه وصف لتصميم مضخة يعتبرها المؤرخون الجد الأقرب للآلة البخارية، وتتكون هذه المضخة من ماسورتين متقابلين، في كل منهما ذراع تحمل مكبساً اسطوانياً، إذ كانت احدي الماسورتين في حالة ضغط أو كبس فإن الثانية تكون في حالة سحب أو شفط. ولتأمين هذه الحركة المتقابلة المتضادة يوجد قرص دائري مسنن قد ثبت فيه كل من الذراعين بعيداً عن المركز، ويدار هذا القرص بواسطة تروس متصلة بعامود الحركة المركزي وهناك ثلاثة صمامات علي كل مضخة تسمح بحركة المياه في اتجاه واحد. 

إضافة إلي أن الكتاب يجمع بين دفتيه موضوعات أخري مثل: تقنية السفن، تقنية أحواض القياس، تقنية النافورات، تقنية آلات رفع المياه التي تعمل بقوة جريان الماء، تقنية بعض الآلات المفيدة كالأبواب والأقفال.

أنهى الجزري تأليف وكتابة مخطوطه عام 1206م موثّقًا بذلك أهم كتاب قدّمه المسلمون في الهندسة الميكانيكية في كلا المجالين (النظري والعملي) اتساقاً مع فلسفته التي صاغها في جملته المهمة: "كل علم صناعي لا يتحقق بالعمل فهو متردد بين الصحة والخلل".

وقد جمع الجزري بين العلم والعمل وصمم ووصف نحو خمسين آلة ميكانيكية في ستة تصنيفات مختلفة ضمنها أهم وأروع كتبه (الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل) والذي وصفه مؤرخ العلم الشهير جورج سارتون (1884-1956م) بأنه يمثل الذروة التقنية للمسلمين. ففيه تصميم الجزري للمضخة ذات الأسطوانتين المتقابلتين، وهي تقابل حالياً المضخات الماصة والكابسة واخترع العمود المرفقي crank shaft، وأول الساعات الميكانيكية التي تعمل بالماء والأثقال وبنظام تنبيه ذاتي، ولآلات رفع الماء، وصب المعادن في صناديق القوالب المغلقة باستخدام الرمل الأخضر، وتغليف الخشب لمنع التوائه، والموازنة الاستاتيكية للعجلات واستخدام النماذج الورقية لتمثيل التصميمات الهندسية.

وترجع أهمية مضخة الجزري إلى ثلاثة أسباب:

أولها: أن هذه المضخة تعد أول نموذج معروف لمضخة ذات أنابيب إدخال حقيقة (الأنابيب الماصة). 

ثانيها: أنها احدي أقدم الآلات التي تجسد مبدأ الفعل المزدوج.

وثالثها: أنها أحد الأمثلة المبكرة لتحويل الحركة الدورانية إلى حركة ترددية متناوبه. وذلك بواسطة ذراع القشب. 

ويعد الجزري أول مهندس غير مفاهيم الهندسة باستخدامه الترس (الدولاب المسنن) وذراع التدوير (الكرنك والمكبس)، وعمود التدوير.

ومن المثير والمدهش أن الجزري يعد أول من صنع الإنسان الآلي في التاريخ. إذ طلب منه أحد الخلفاء أن يصمم له آلة ميكانيكية يستخدمها في الوضوء بدلاً من الخادم. فصمم له الجزري آلة على هيئة غلام منتصب القامة يحمل في يده اليمني إبريق ماء، وفي اليسري منشفة، ويقف على عمامته طائر آلي فإذا حان وقت الصلاة، غرد الطائر، فيتقدم الغلام، ويصب الماء بقدر معين من الإبريق، حتى إذا انتهي الخليفة من وضوئه، قدم له الغلام المنشفة، ثم يعود إلى مكانه تلقائياً!

والجزري واضع الأساس الذي تقوم عليه المحركات العصرية، فهو الذي اخترع نماذج عدة لساعات وروافع آلية، تعتمد على نظام التروس المسننة في نقل الحركة الخطية إلى حركة دائرية، تماماً كما هو سائد حالياً. كما صمم آلات ذاتية الحركة تعمل بالماء، وساعات مائية ذات نظام تنبيه، وساعات مائية ضخمة تعرض حركة الشمس والقمر. إلى غير ذلك من الأعمال الهندسية والميكانيكية التي تحتل أهمية بالغة في تاريخ الهندسة حيث تقدم ثروة من مبادئ تصميم وتصنيع وتركيب آلات ظهر أثرها في التصميم الميكانيكي للمحرك البخاري، ومحرك الاحتراق الداخلي والتحكم الآلي، والتي لا تزال آثارها ظاهرة حتى الآن.   

وكتاب "الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل" فيه الكثير من الرسوم والتصميمات لآلات و"روبوتات"، مثل ساعة الفيل والفرقة الموسيقية التي يعتبرها البعض آلة يمكن "برمجتها" لتلعب أنغاماً مختلفة. ونتيجة لدرجة تعقيد هذه الآلات وآليات عملها، أطلق البعض مؤخراً على الجزري لقب "أبو علم الروبوتات". ثم امتدت أهمية كتاب الحيل إلى العصر الحديث، وأفاد منه العلم الغربي، الأمر الذي جعل أساتذة أكسفورد الذين وضعوا كتاب "تراث الإسلام" في أربعينيات القرن العشرين يصرحون بأن عشرين تركيبًا ميكانيكيًا من محتويات الكتاب ذو قيمة علمية كبيرة.

يوجد 50 نسخة أصلية من كتاب "الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل" في مكتبات البلاد العربية والإسلامية. 

بدأت معرفة الغرب بكتاب الحيل في عام 1936م عندما قام المستشرق والأديب والمتصوف الانغليزي مارتن لنغز (1909-2005م) بدراسات حول علم الحيل عند الجزري وكتابه ونشرها في الكثير من الدوريات العلمية.

وفي عام 1974م قام الباحث والمهندس والمستشرق الانغليزي دونالد روتليدج هيل (1922- 1994م)، بترجمة كتاب الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل إلي الإنغليزية عام 1974م، ليحصل علي جائزة دكستر Dakastr العالمية التي تمنح لأصحاب الإنجازات المتميزة في مجالات التكنولوجيا عن هذه الترجمة وعن كتابة بعنوان: "العلوم والهندسة في الحضارة العربية"، عن الجزري وتاريخ التكنولوجيا العربية.

ومبكراً قام المستشرقون بدراسته وترجمته. ولعل من أبلغ دلائل الاهتمام الغربي بهذا الكتاب أن احدي نسخه الأصلية وهي مؤرخة في عام 715هـ 1354م قد باعتها مؤسسة كيفوركيان في مزاد علني أقيم بلندن في إبريل/نيسان 1978م بمبلغ مائة وستين ألف جنيه إسترليني، أي ما يساوى حوالي ثلاثمائة ألف دولار بأسعار ذلك الوقت.

يقول العالم والمهندس والمخترع الأميركي تشارلز ستارك درابر (1901- 1987م) في كتابه تاريخ الارتقاء العقلي في أوروبا: "لقد قرر العرب في الميكانيكا نواميس سقوط الأجسام، وكان لهم رأي جلي من جهة طبيعة الجاذبية، ورأي سديد في القوات الميكانيكية، واصطنعوا في نقل الموائع وموازنتها الجداول الأولي للجاذبية النوعية. ورأي سديد في عوم الأجسام وغرقها في الماء وكانوا عارفين كل المعرفة بعلم الحركة، وهذا ما يؤكده لنا كتاب الحيل لابن الرزاز الجزري". 

ويقول المؤرخ الأميركي جورج سارتون في كتابه تاريخ العلم: "إن كتاب الجزري، الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل هو أهم سجل هندسي وصل إلينا عن أي حضارة سبقت عصر النهضة في أوروبا، ليس فقط في ما حواه من وصف للحيل والآلات المبتكرة بل لأنه سجل التفاصيل الدقيقة لكيفية صُنع هذه الآلات حتى أن عددا من هذه الحيل أعيد تركيبها علي أيدي حرفيين في العصر الحاضر بمجرد إتباع التعليمات التي زودهم بها الجزري في كتابه عن صناعة الحيل".  

وتقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه (1913- 1999م): "نحن مازلنا حتى يومنا هذا نقف فاغري الأفواه دهشة وإعجابا كلما رأينا ساعة كبيرة في مبني البلدية، وما يرافق دقاتها من ظهور شخوص صغيرة متحركة تذكرنا بما فعله العرب في الماضي البعيد حباً بالآلات الميكانيكية وولعاً بها، ويبقى بديع الزمان ابن الجزري، أعظم هؤلاء العباقرة المسلمين، الذي كانت ولا تزال مخترعاته مثارًا لإلهام العالم حتى الآن "

ختاما:

يقول المستشرق والمهندس الانغليزي دونالد هيل (1922- 1994م)، مترجم كتاب الحيل لابن الجزري إلى الإنغليزية: "لم تكن بين أيدينا حتى العصور الحديثة أية وثيقة، من أية حضارة أخرى في العالم، فيها ما يضاهي ما في كتاب الجزري من غنى في التصاميم وفي الشروحات الهندسية المتعلقة بطرق الصنع وتجميع الآلات".