الدكالي يحيي الزمن الجميل في الرباط

عودة عميد الأغنية المغربية إلى خشبة محمد الخامس تعد عشاق الطرب الأصيل بليلة استثنائية تمزج بين الذاكرة الفنية والتجديد الموسيقي.

الرباط ـ تستعد العاصمة المغربية الرباط لاحتضان موعد فني مميز يعيد ألق الطرب الأصيل إلى الواجهة، من خلال حفل غنائي يحييه عميد الأغنية المغربية عبد الوهاب الدكالي يوم 28 أبريل/نيسان على خشبة المسرح الوطني محمد الخامس، في أمسية ينتظر أن تجمع بين عبق الذاكرة وروح التجديد.

ويأتي هذا الحفل ليشكل عودة متجددة للدكالي إلى جمهوره بالعاصمة المغربية، بعد فترة غياب نسبي عن السهرات الفنية الكبرى، ما يمنح الحدث طابعا خاصا لدى عشاقه، خاصة وأن ظهوره الأخير على نفس الخشبة قبل عام ترك صدى واسعا، حين استعاد باقة من أبرز أعماله التي رسخت حضوره في الوجدان الجماعي للمغاربة.

لا يُنظر إلى هذا الموعد باعتباره مجرد حفل غنائي، بل كوقفة احتفائية بمسار فني طويل وغني، صنع خلاله الدكالي مكانته كأحد أبرز رموز الموسيقى المغربية الكلاسيكية. فقد امتدت تجربته لأكثر من ستة عقود، بصم خلالها على رصيد زاخر من الأعمال التي جمعت بين الأصالة والتجديد، وأسهمت في ترسيخ الهوية الموسيقية الوطنية.

وتميّز الدكالي بأسلوب فني خاص يقوم على مزج عمق الكلمة بجمالية اللحن، مع قدرة تعبيرية عالية في الأداء الصوتي، ما جعل أغانيه تتجاوز حدود الزمن وتبقى حاضرة في ذاكرة الأجيال. كما نجح في الحفاظ على توازنه الفني، بين الوفاء للجذور والانفتاح على آفاق موسيقية أوسع.

ويعرف الحفل مشاركة عدد من الأسماء البارزة في الساحة الفنية المغربية، من بينها حاتم عمور ونبيلة معان، إلى جانب الكوميدي باسو، في توليفة فنية تمزج بين الغناء والطرب والكوميديا، وتعكس تنوع المشهد الفني المغربي.

بدأ عبد الوهاب الدكالي مسيرته الفنية في أواخر خمسينيات القرن الماضي، حيث شق طريقه بثبات من خلال برامج اكتشاف المواهب، قبل أن ينتقل إلى الاحتراف ويحقق انتشارا واسعا داخل المغرب وخارجه. كما خاض تجربة مهمة في القاهرة خلال ستينيات القرن الماضي، حيث احتك بكبار الفنانين العرب، ما ساهم في صقل تجربته الفنية.

غير أن عودته إلى المغرب شكلت نقطة تحول بارزة، إذ أسس لمدرسة موسيقية خاصة به، تنطلق من عمق الهوية المغربية وتطمح إلى الوصول إلى العالمية، وهو ما تجلى في أعماله التي لاقت صدى واسعًا في العالم العربي.

قدّم الدكالي خلال مسيرته مجموعة من الأغاني التي تنوعت بين العاطفية والوطنية والطربية، من بينها "أنا مخاصمك" و'العاشقين' و'الليل والنجوم'  و'قصة الغرام'، إضافة إلى 'كان يا مكان' التي شكلت علامة فارقة في مشواره الفني.

وتبقى أغنية 'مرسول الحب' من أبرز محطاته، حيث تجاوزت حدود المغرب لتصل إلى مختلف أنحاء العالم العربي، وأعاد أداءها العديد من الفنانين، ما يعكس قوة تأثيرها واستمرارية حضورها في الذاكرة الموسيقية.

وامتد تجربة الإبداع عند الدكالي امتد إلى مجالات أخرى مثل التمثيل السينمائي، حيث شارك في عدد من الأفلام المغربية، إضافة إلى اهتمامه بالفن التشكيلي، الذي عبّر من خلاله عن رؤيته الجمالية في معارض فنية لاقت استحسانًا واسعًا.

كما عُرف باهتمامه الكبير بالكلمة، إذ حرص على اختيار نصوص شعرية راقية تجمع بين الزجل المغربي واللغة العربية الفصحى، متعاونا مع أبرز الشعراء، قبل أن يتجه لاحقا إلى تلحين معظم أعماله بنفسه.

ويُعد عبد الوهاب الدكالي اليوم أحد آخر رموز الزمن الجميل في الأغنية المغربية، حيث يواصل حضوره كصوت فني استثنائي يجسد مرحلة ذهبية من تاريخ الطرب الوطني. ورغم تعاقب السنوات، لا يزال يحتفظ ببريقه وقدرته على التأثير في الجمهور.

ويحمل الحفل المرتقب بعدا ثقافيا يتجاوز الترفيه، إذ يندرج ضمن جهود إعادة الاعتبار لرواد الأغنية المغربية، وصون الذاكرة الموسيقية الوطنية، وربط الأجيال الجديدة بجذور الطرب الأصيل.

ويمثل هذا الموعد الفني فرصة لعشاق الطرب الأصيل لاستعادة ذكريات الزمن الجميل، والتفاعل مع تجربة فنية متجددة يقودها صوت ظل حاضرًا في وجدان المغاربة لعقود.

ويؤكد هذا الحدث أن الفن الأصيل، حين يستند إلى جذوره العميقة، يظل قادرا على التجدد والاستمرار، وأن الأغنية المغربية ما زالت تحتفظ بمكانتها كأحد أبرز روافد الهوية الثقافية الوطنية.