الرماية في سلطنة عُمان إرث متجدد يحمله جيل الشباب
مسقط ـ تُعدّ رياضة الرماية في سلطنة عُمان واحدة من أقدم الممارسات التي ارتبطت بتاريخ الإنسان العُماني، حيث كانت في بداياتها ضرورة حياتية فرضتها طبيعة البيئة وظروف الحياة الأمنية والاجتماعية. ومع تعاقب الأجيال وتطور المجتمع، تحوّلت هذه الممارسة تدريجيا من مهارة يومية إلى رياضة منظمة ذات أبعاد تراثية وثقافية ورياضية، لتصبح اليوم أحد أبرز الرموز التي تعكس الهوية العُمانية المتجذرة في التاريخ.
يرى الباحثون في التراث أن الرماية في عُمان ارتبطت بشكل وثيق بحياة الإنسان، إذ كانت البندقية جزءا أساسيا من أدواته اليومية سواء في الحضر أو البادية. وكان حمل السلاح وممارسة الرماية يعكسان قدرة الفرد على حماية نفسه ومجتمعه، كما ارتبطا بثقافة الفروسية والشجاعة التي ميّزت المجتمع العُماني عبر تاريخه الطويل.
هذا الارتباط العميق جعل من الرماية أكثر من مجرد مهارة، بل سلوكا اجتماعيا يعكس قيم الاعتماد على النفس والانضباط.
ومع التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها السلطنة، بدأت الرماية تأخذ شكلا جديدا أكثر تنظيما، حيث انتقلت من كونها ضرورة حياتية إلى ممارسة رياضية لها قواعدها ومعاييرها.
وبدأت تتشكل أطر مؤسسية تهتم بتنظيمها، من أندية متخصصة إلى لجان إشرافية، إضافة إلى إنشاء ميادين حديثة مجهزة وفق معايير السلامة والتدريب. وأسهم هذا التحول في نقل الرماية من المجال التقليدي إلى فضاء رياضي احترافي.
ولا تزال هذه الرياضة تحظى بحضور قوي في المناسبات الاجتماعية بمختلف ولايات السلطنة، حيث تُنظم مسابقات الرماية في الأعياد الوطنية والمناسبات الدينية واحتفالات الزواج.
وتتحول هذه الفعاليات إلى منصات للتلاقي الاجتماعي، يشارك فيها الشباب والكبار في أجواء يسودها التنافس الودي والاحترام المتبادل، ما يعزز من حضورها في الذاكرة الجماعية للمجتمع العُماني.
وفي هذا السياق، يقول سالم العمري من محافظة ظفار، إن هذه الرياضة تحظى بشعبية كبيرة بين مختلف فئات المجتمع، موضحا أنها حاضرة بقوة في المناسبات المختلفة، سواء الأعياد الوطنية أو الأفراح.
ويضيف أن الرماية ليست مجرد إصابة هدف، بل هي "لحظة تواصل بين الماضي والحاضر"، ورسالة تعكس بقاء التراث حيًا في وجدان الناس، مهما تغيرت الظروف وتطورت الحياة.
ويشير العمري كذلك إلى أن الإقبال المتزايد على هذه الهواية دفع إلى إنشاء العديد من الأندية واللجان المتخصصة، التي عملت على تنظيم هذه الرياضة وتطويرها، مستندة إلى قيمها التراثية والدينية والاجتماعية. كما تم إنشاء ميادين رماية في مناطق مختلفة، خاصة في الأماكن المفتوحة والنائية التي توفر بيئة مناسبة للتدريب، ما ساعد على تطوير مهارات الرماة بشكل أفضل.
وفي هذا الإطار، يبرز نموذج الرامي العُماني يونس بن حمد السيابي، الذي يؤكد أن رياضة الرماية بالنسبة إليه ليست مجرد هواية، بل جزءا أصيلا من التراث العُماني الذي نشأ عليه منذ الصغر.
ويشير إلى أن ارتباطه بهذه الرياضة جاء نتيجة البيئة الثقافية والاجتماعية التي نشأ فيها، والتي رسخت قيم الشجاعة والدقة والانضباط.
ويوضح السيابي في حديثه أن بداياته مع الرماية تعود إلى مرحلة الطفولة، حين كان يحرص على حضور المناسبات الاجتماعية والفعاليات الوطنية التي تتضمن منافسات للرماية التقليدية. وقد أسهمت تلك الأجواء في تعزيز شغفه بهذه الرياضة، ودفعته إلى تعلم أساسياتها والاقتراب أكثر من موروثها الأصيل.
كما يبين أن ولاية العوابي كانت من أبرز البيئات الداعمة لهذه الرياضة، نظرا لتاريخها العريق في تنظيم مسابقات الرماية التقليدية، واحتضانها لرماة ذوي خبرة طويلة. وقد شكلت تلك المنافسات بالنسبة إليه مدرسة عملية، تعلّم من خلالها الكثير من المهارات عبر متابعة الرماة المخضرمين والتفاعل معهم.
ويضيف أن انطلاقته الفعلية في المنافسات كانت عام 2015، وهي مرحلة لم تكن سهلة بسبب قوة المنافسة، إلا أن الدعم الذي تلقاه من الرماة ذوي الخبرة ساعده على الاستمرار. فقد قدموا له النصيحة والتوجيه، وشجعوه على تطوير مهاراته، ما ساهم في صقل موهبته تدريجيًا.
وأشار إلى أنه شارك في العديد من المسابقات داخل السلطنة وخارجها، وكان له حضور بارز في منافسات إسقاط الأطباق، التي تتطلب تركيزًا عاليًا ولياقة ذهنية وبدنية. وقد أسهمت هذه المشاركات في تطوير قدراته في التحكم بالتركيز وسرعة الملاحظة والثبات أثناء التصويب، وهي عناصر أساسية في هذه الرياضة.
ومع تطور البنية المؤسسية في السلطنة، شهدت رياضة الرماية نقلة نوعية مهمة، حيث تم إنشاء أندية متخصصة وميادين حديثة، إلى جانب تنظيم بطولات محلية منتظمة أسهمت في اكتشاف مواهب جديدة. كما أصبح هناك حضور متزايد للرماة العمانيين في البطولات الإقليمية والدولية، ما يعكس مستوى التطور الذي وصلت إليه هذه الرياضة.
ورغم هذا التطور، لا تزال هناك تحديات تواجه الممارسين، من أبرزها في السابق محدودية المعدات وارتفاع تكلفتها، إلا أن السوق شهد توسعًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة. كما يواجه بعض الرماة تحديات في إدارة الوقت بين التدريب والالتزامات اليومية، ما يتطلب تنظيمًا دقيقًا لتحقيق التوازن.
وفي السنوات الأخيرة، استفادت رياضة الرماية من التطور التقني بشكل كبير، حيث تم اعتماد أنظمة إلكترونية للتسجيل في البطولات، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتبادل الخبرات ونشر المستجدات. كما أصبح تحليل الظروف الجوية جزءًا أساسيًا من التحضير للمنافسات، نظرًا لتأثيرها المباشر على دقة التصويب.
وبين الماضي والحاضر، تبقى الرماية في سلطنة عُمان أكثر من مجرد رياضة، بل هي إرث ثقافي حي يجمع بين الأصالة والحداثة، ويعكس قدرة المجتمع العُماني على الحفاظ على جذوره التاريخية مع الانفتاح على التطور. إنها قصة تراث مستمر، يربط الأجيال ببعضها، ويجسّد الهوية الوطنية في أبهى صورها.




