السعودية تحتفي بمسيرة ثلاثة قرون من التطور في يوم التأسيس

أعمال تزيين الشوارع تعكس عمق الانتماء وصدق الاعتزاز بتاريخ الدولة، حيث امتزج الضوء بالهوية في شوارع العاصمة، وتحولت الطرق والميادين إلى لوحات وطنية.

الرياض – تحتفي اليوم المملكة العربية السعودية بـ"يوم التأسيس" الذي يمثل بداية مسيرة امتدت لثلاثة قرون من الوحدة والاستقرار والبناء، حيث قامت الدولة السعودية الأولى في الدرعية على يد الإمام محمد بن سعود عام 1727، لتضع الأسس السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي قامت عليها الدولة الحديثة.

ويحتفل السعوديون بهذه المناسبة في 22 فبراير/شباط من كل عام، بعدما صدر أمر ملكي من خادم الحرمين الشريفين سلمان بن عبدالعزيز آل سعود عام 2022 باعتباره يومًا وطنيًا رسميًا. إذ يحمل أبعادًا تاريخية وثقافية ويمثل فرصة لإحياء القيم التي قامت عليها الدولة السعودية الأولى في الدرعية.

وزينت أمانة منطقة الرياض الشوارع والطرق الرئيسة احتفاءً بيوم التأسيس، بأكثر من 5 آلاف إنارة جمالية شملت المحاور الحيوية والميادين والساحات العامة في مدينة الرياض.

 وتضمنت الأعمال تركيب 5481 إنارة جمالية وزعت على مختلف المواقع، بما يعزز حضور المناسبة في مختلف الأحياء ويمنح المدينة طابعًا بصريًا متناسقًا يعكس الاعتزاز بتاريخ الدولة، ويواكب مكانة يوم التأسيس في الوجدان.

 كما شملت التجهيزات تنفيذ أعمال الإضاءة، إلى جانب تركيب مجسمات مميزة في عدد من المواقع داخل المدينة، بما يسهم في إبراز الهوية الوطنية وإثراء الفضاءات العامة بعناصر تصميمية تعزز التفاعل المجتمعي مع المناسبة.

 وتعكس أعمال تزيين الشوارع عمق الانتماء وصدق الاعتزاز بتاريخ الدولة، حيث امتزج الضوء بالهوية في شوارع العاصمة، وتحولت الطرق والميادين إلى لوحات وطنية تنبض بالفخر، وتجسد مرور 299 عامًا من البناء والعطاء، في صورة تعبر عن مكانة يوم التأسيس في قلوب أبناء الوطن، وتترجم معاني الوفاء للقيادة والمسيرة المباركة.

 وتواصل أمانة منطقة الرياض تنفيذ فعالياتها بمناسبة يوم التأسيس في الحدائق والساحات بما يعزز حضور المناسبة في الفضاءات العامة، ويرسخ قيم الاعتزاز بالجذور التاريخية، ويدعم التفاعل المجتمعي في مختلف أحياء العاصمة.

وتعد هذه المناسبة فرصة لتسليط الضوء على تاريخ المملكة والفترة التي شهدت تأسيس الدولة على يد الإمام محمد بن سعود الذي تحـلى برؤية ثاقبة، فقد درس الأوضاع التي كانت تعيشها إمارتـه والإمارات التي حولهـا بشكل خاص، ووسـط الجزيرة العربية بشكل عـام، وبدأ التخطيط للتغيـيـر عـن النمط السـائـد خـلال تلك الأيـام، فأسـس لمسـار جديد في تاريخ المنطقـة تمثل في الوحـدة والتعليـم ونشر الثقافـة وتعزيز التواصل بين أفراد المجتمع والحفاظ على الأمـن.

ووحَّد الإمام بن سعود شـطري الدرعيـة وجعلهـا تحـت حـكـم واحـد بعـد أن كان الحكم متفرقًا في مركزين، واهتم بالأمور الداخلية، وعمل على تقوية مجتمع الدرعية وتوحيد أفراده، وتنظيم موارد الدولة الاقتصادية، إضافة إلى بنـاء حـي جديد في سمحان وهـو حـي "الطرفيـة"، وانتقل إليـه بعـد أن كان حـي غصيبـة مـركـز الحكـم مـدة طويلة.

 وتوالت الإنجازات حيث شهدت استقرارًا كبيرًا وازدهارًا في مجالات متنوعة، وحققت استقلالًا سياسيًا، وعدم الخضوع لأي نفوذ في المنطقة أو خارجها، ومساندة البلدات المجاورة لتعزيز الاستقرار، كما أمَّن طرق الحج.

 وخلال عهد الإمام محمد بن سعود ومن بعده من الأئمة أصبحت مدينة الدرعية عاصمة لدولة مترامية الأطراف، ومصدر جذب اقتصادي واجتماعي وفكري وثقافي، ولقد هاجر كثير من العلماء إليها من أجل تلقي التعليم والتأليف الذي كان سائدًا في وقتها؛ مما أدى إلى ظهور مدرسة جديدة في الخط والنسخ.

 وانتقلـت دولـة المدينـة إلـى مرحلـة الدولـة وكانـت الدولـة السـعودية منـذ تأسيسـها حتى يومنـا هـذا دولـة عربيـة خالصـة بحكامهـا وشـعبها.

 واستمر امتداد الدولة بعد انتهاء الدولة السعودية الأولى بإعادة تأسيس الدولة على يد الإمام تركي بن عبدالله مؤسس الدولة السعودية الثانية عام 1824 وبعد انتهائها عادت مره أخرى على يد حفيده الملك عبدالعزيز عام  1902.

ويختلف يوم التأسيس عن اليوم الوطني؛ فالأول يرمز إلى بداية قيام الدولة السعودية الأولى، بينما يحتفل اليوم الوطني بتوحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود عام 1932.

ومن أبرز طرق الاحتفال بيوم التأسيس تنظيم فعاليات تراثية وثقافية تستلهم أجواء الدولة السعودية الأولى، حيث تُقام عروض الفنون الشعبية مثل العرضة السعودية، وتُنظم مهرجانات تُبرز الأزياء التقليدية والموروث الشعبي في مختلف مناطق المملكة.

كما تُقام معارض تاريخية تروي قصة التأسيس في الدرعية، وتُعرض فيها مقتنيات وصور ووثائق تسلط الضوء على نشأة الدولة وتطورها. وتشارك الجهات الثقافية في تقديم عروض مسرحية وأمسيات شعرية تُجسد قيم الشجاعة والوحدة التي ارتبطت بتلك المرحلة. ويحرص الكثير من المواطنين على ارتداء الملابس التراثية في هذا اليوم، في مشهد يعكس ارتباط الحاضر بالماضي ويجسد الهوية الوطنية المتجذرة.

ولا يقتصر الاحتفال على الفعاليات الرسمية، بل يمتد إلى المدارس والجامعات والمؤسسات المختلفة، حيث تُنظم برامج توعوية وورش عمل للتعريف بتاريخ الدولة السعودية الأولى وأهمية يوم التأسيس.
وتهدف هذه الأنشطة إلى تعزيز وعي الأجيال الجديدة بجذور وطنهم التاريخية، وربطهم بالقيم التي قامت عليها الدولة من الاستقرار والعدل والتلاحم المجتمعي.

كما تُقام مسابقات ثقافية ومعارض فنية يشارك فيها الطلاب، إلى جانب ندوات ومحاضرات تاريخية يقدمها مختصون. وتُضاء المباني والمعالم البارزة بالهوية البصرية الخاصة بيوم التأسيس، فيما تنتشر العبارات الوطنية في الشوارع ووسائل الإعلام، لتتحول المناسبة إلى مشهد وطني جامع يعزز روح الانتماء.

وفي البيوت السعودية، يُعد يوم التأسيس مناسبة للاجتماع العائلي واستحضار القصص التاريخية التي تناقلتها الأجيال، إضافة إلى إعداد أطباق تقليدية تعكس التنوع الثقافي في مناطق المملكة.
وتحرص المؤسسات والقطاعات الخاصة على المشاركة من خلال حملات تعريفية وعروض خاصة تحمل طابع المناسبة.

ويظل يوم التأسيس في 22 فبراير/شباط محطة سنوية لتجديد الاعتزاز بالجذور التاريخية للدولة السعودية، والتأكيد على أن ما تنعم به المملكة اليوم من استقرار وتقدم هو امتداد لمسيرة بدأت قبل ثلاثة قرون. ومن خلال هذه الاحتفالات المتنوعة، يجدد السعوديون ارتباطهم بتاريخهم، ويؤكدون أن الهوية الوطنية ركيزة أساسية في مسيرة الحاضر والمستقبل.