الشراكة ليست مقايضة… بل فهم للدولة الاتحادية

من ينتقد مشاركة الكرد في بغداد، عليه أولاً أن يعترض على الدستور الاتحادي نفسه، لا أن يختزل المسألة بشعار عاطفي عن الشراكة.

في الآونة الأخيرة، تتكرر في بعض وسائل الإعلام، وعلى لسان بعض المحللين، بل وحتى في منشورات مواقع الإنترنت وصفحات التواصل الاجتماعي، أطروحات تُقدَّم وكأنها دفاع عن "العدالة والشراكة"، لكنها في الحقيقة تكشف جهلاً، أو تعمداً، في فهم طبيعة النظام الاتحادي في العراق.

هذا النوع من الطرح لا يبقى مجرد رأي سياسي، بل يسهم في تشكيل مزاج عام سلبي داخل المحافظات غير المشكلة بإقليم، ويدفع بعض المواطنين إلى تبني مواقف وتصعيدات غير حميدة تجاه الكرد، على أساس معلومات مغلوطة أو قراءة مبتورة للدستور.

الحديث عن "المعاملة بالمثل" بين بغداد وأربيل يكشف خللاً في فهم طبيعة النظام السياسي في العراق. العراق ليس دولة مركزية بسيطة، بل هو دولة اتحادية نصّ عليها دستور 2005 بوضوح. ووفق هذا النظام، هناك فرق جوهري بين السلطة الاتحادية في بغداد وبين سلطات الأقاليم والمحافظات.

إقليم كردستان جزء من الدولة الاتحادية، ومواطنوه عراقيون كاملو الحقوق، ومن الطبيعي، بل من الدستوري، أن يشاركوا في إدارة الحكومة الاتحادية في بغداد وفق نتائج الانتخابات والاستحقاق النيابي. رئاسة الجمهورية، الوزارات السيادية، المناصب العسكرية العليا… كلها من مؤسسات الدولة الاتحادية التي يشارك فيها الجميع وفق التمثيل البرلماني.

في المقابل، إقليم كردستان ليس "دولة داخل دولة"، بل كيان اتحادي له برلمانه وحكومته وقواته الأمنية ضمن صلاحياته الدستورية، تماماً كما لو تشكّل إقليم في البصرة أو الأنبار أو نينوى؛ عندها ستكون إدارة ذلك الإقليم من حق سكانه المنتخبين، لا من حق إقليم آخر أن يفرض عليهم مناصب.

الكرد لم يطالبوا بتعيين محافظين في النجف أو البصرة، ولم يطالبوا بقيادة شرطة الأنبار، لأن تلك سلطات محلية. وهم حين يطالبون بمناصب في بغداد، فإنهم يطالبون بحقهم في مؤسسات الدولة الاتحادية التي تخص جميع العراقيين.

المسألة ليست "لي هناك وليس لكم هنا"، بل هي ببساطة: هناك مستوى اتحادي يشارك فيه الجميع، ومستوى إقليمي يديره سكانه المنتخبون.

من ينتقد مشاركة الكرد في بغداد، عليه أولاً أن يعترض على الدستور الاتحادي نفسه، لا أن يختزل المسألة بشعار عاطفي عن الشراكة.

الدولة الاتحادية تُبنى على توزيع الصلاحيات، لا على الخلط بينها.