الكتابة للطفل في زمن الاستلاب الثقافي

المداخلة تطرح تساؤلاً جوهرياً حول واقع القصة الوطنية في أدب الطفل العربي، من خلال جولة نقدية تمتد من لبنان إلى الجزائر وصولاً إلى تونس، وتستعرض الكاتبة والباحثة سبل تحرير النص التاريخي من قيود الوعظ والمباشرة.

تتوالى الأسئلة المهمة وتتشابك حين ندّعى للحديث عن أدب الطفل، وعن أهمية القصة التاريخية للأطفال، موضوع هذه الندوة الدولية في معرض كتاب الطفل بصفاقس.

ولأني أحضر معكم اليوم، لا كباحثة أو ناقدة، ولكن كقارئة عاشقة وكاتبة متمردة، تسكنها الطفولة دوماً وتأخذها لتجاوز أسوار الواقع بالحلم والسفر مع المخيال، اخترت القصة الوطنية كنموذج للقصة التاريخية، وإذا أنا أمام سؤال مركزي: إلى أي مدى يمكن للقصة الوطنية أن تجمع بين الذاكرة والخيال؟ بين نقل القيم وصون الدهشة؟

يقودنا هذا السؤال إلى إعادة النظر في طبيعة هذا الأدب وحدوده، خاصة إذا استحضرنا مقولة الناقدة وكاتبة أدب الطفل جون إيكن: "إن أدب الطفل في حاجة إلى شاعر شبه مجنون، يحمل فكرة رائعة تصر على الخروج من ذهنه دون إكراه". قول يفتح أفقاً واسعاً للنظر في دور الخيال داخل النص، خاصة عندما يكون محملاً بالبعد الوطني والتاريخي.

انطلاقاً من ذلك، تطرح هذه المداخلة جملة من التساؤلات:

  • إلى أي مدى تستطيع القصة الوطنية أن تتحرر من قيود الواقع لتظل وفية لجوهر الأدب؟

  • كيف يمكن للخيال أن يشتغل داخل هذا النوع من السرد، دون أن يفرغ المعنى الوطني من عمقه؟

  • وما السبيل التي تمكن هذا الأدب من تجاوز الشكل الورقي نحو فضاءات أرحب وأكثر تفاعلاً مع الطفل المعاصر؟

في هذا الإطار، استسمحكم القيام بجولة سريعة في نماذج من الكتابة العربية للطفل، قبل أن أنتقل إلى تونس وإلى تجربتي الخاصة ومشروعي الحلم للأطفال؛ المشروع المتوقف أمام حواجز الواقع وانعدام الرؤية.

يقول الشاعر وكاتب الأطفال والأكاديمي محمد الغزي: "أدب الطفل ككل إبداع أصيل، يحتاج إلى أن يأتي على غير مثال سابق، يشد القارئ ويمتعه، بل ربما ذهبنا إلى أنه أشد على الكاتب من الأدب الرصين لأنه لا يخاطب أفق انتظار جاهز سابقاً عليه، وإنما الكاتب هو الذي يصوغ هذا الأفق ويصنعه بصبر وأناة".

تلخص مقولة محمد الغزي صعوبة الكتابة للطفل؛ الكتابة التي تسعى لتقديم نص مبتكر، يحمل قدرة الأديب ووعي المربي ومعرفته البيداغوجية، فيركز على الوظيفة الجمالية، دون إغفال الوظيفة التربوية مع السعي إلى تنمية قدرات الطفل بغية تكوين شخصية متكاملة سليمة، فيقدم بذلك "الإمتاع والمؤانسة". وهذا ما أدركه كتاب كبار كتبوا للطفل كما كتبوا للكبار، نذكر منهم: أحمد شوقي، الطاهر بن جلون، محمد الغزي، نافلة ذهب، وسليمان العيسى الذي وصل لحد القول في حوار له مع الباحث التونسي محمد المي حول هروبه للكتابة للأطفال: "اخترت أن أنحت مستقبلاً جديداً لأمة قد تأتي بعدي".

لعل ما ذكرناه عن متطلبات قصة الطفل يزداد أهمية وصعوبة مع القصة الوطنية التي تتشكل كجسر يربط ما كان بما يمكن أن يكون، فلا تكتفي باستحضار التاريخ والوقائع، بل تعيد تشكيلها بلغة الحلم، فاتحة أجنحة المخيال، فتتحول الشخصيات والأماكن إلى رموز نابضة، ويتداخل الواقعي بالمتخيل ليغرس في الوجدان معنى الانتماء، دون أن يثقله الوعظ.

فهل استطاع كتاب القصة العربية للطفل الموازنة بين أمانة الذاكرة وحرية الخيال؟

نماذج من كتابات عربية:

في جولة سريعة بين نماذج من الكتابات العربية للطفل، اخترت السفر معكم إلى بلدين شقيقين، مغربي ومشرقي؛ الجزائر ولبنان، انطلاقاً من مرجعين مهمين: دراسة الدكتورة إيمان البقاعي في "كتاب الملتقى العربي لأدب الطفل" دورة 2016، ومؤلف الدكتور العيد جلولي: "النص الأدبي لأطفال الجزائر: دراسة تاريخية فنية في فنونه وموضوعاته".

تعرف د. البقاعي القصة الوطنية بأنها "تتجاوز التفاصيل اليومية التي تهتم بها القصة الاجتماعية لتهتم بالتفاصيل المصيرية. كما تستمد أهميتها من كونها تقوي انتماء قرائها وتعرفهم إلى قضايا أمتهم، كي يتعاطفوا معها فينمو شعورهم بالمسؤولية تجاه المكان الذي نشؤوا فيه والناس الذين يشتركون معهم في وحدة ثقافية وإنسانية تساهم في بناء شخصيتهم".

تقدم لنا د. إيمان البقاعي في دراستها المعنونة "صورة الطفل اللبناني في قصص الأطفال"، نماذج من الكتابات التي رصدت الجانب التاريخي والوطني، بدءاً من الاحتلال العثماني، فكانت قصة "عنتر" وقصة "جدتي" لجبران مسعود وقصة إلياس "أمير الأحلام". وصولاً إلى حرب لبنان وإسرائيل منذ 1948، والتي كتبت عنها عشرات القصص، كقصة "أجمل ما في الدنيا" لرضوان الحريري، عن أطفال الجنوب بعد سقوط قذيفة إسرائيلية على حافلة مدرسية في 21 آذار 1992، مع قصص عديدة "أكثر إشراقاً" أرخت لهذه الحرب كقصص إدفيك شيبوب "سيطلع فجر جديد" و"رقعة الغذاء الساخنة" و"بعد العاصفة". كما تناولت هذه القصص الوطنية مقاومة النساء للعدو الصهيوني كـ "استحقت عيشها" لأماني نصر الله.

ولكن إلى أي مدى استجابت هذه القصص لمقومات قصة الأطفال وفتحت المجال للمخيال؟ وهل يكفي التأريخ للأحداث ورصد قضايا الوطن لشد انتباه الطفل وإغناء وجدانه وشحذ مخيلته؟ تجيب د. البقاعي: "كثير من شخصيات القصص المقدمة تجاوز النمطية فأسمع رنين صوتها، ولكن يظل العديد من تلك القصص مكتوبة من التقليديين الذين لا تعني لهم الطفولة ولا أدب الطفولة شيئاً".

تجربة أخرى لقصة الأطفال في الجزائر، اهتم بها د. العيد جلولي في كتابه "النص الأدبي للأطفال في الجزائر"، عرف فيه بنشأة وتطور هذا الأدب قصة وشعراً ومسرحاً، وخص فصلاً بالقصص التاريخية، وما يعنينا فيها هي القصة الوطنية. يحدد د. جلولي أهداف هذا النوع بـ:

  1. تنمية الشعور بالاعتزاز بالماضي.

  2. الارتباط الصادق بالوطن.

  3. عقد الصلة بين الجيل الماضي والجيل الحاضر.

يقول د. جلولي: "الكتابات التي تناولت المقاومة الشعبية وفجرت قرائح الأدباء فاستلهموا من أحداثها قصصاً كثيرة للكبار، عديدة ومتنوعة، ولكننا لا نعثر في أدب الأطفال إلا على قصص قليلة تناولت أحداثها. ومن أبرز من عالج أحداث ثورة التحرير الجزائرية وقدمها في قالب قصصي جذاب: محمد الصالح الصديق في مجموعته (عميروش) و(قصص ثورية)". كذلك من الكتاب الذين اهتموا بالقصة الوطنية: أحمد الطيب معاش في قصة "معركة الثكنة" أو "ثأر لعائشة"، والجيلاني عوامر في قصة "شجرة الانتقام"، وعبد العزيز بوشفيرات صاحب "البطل الصغير"، وعبد الوهاب حقي صاحب "صغار ولكن مجاهدون".

ويضيف د. العيد جلولي: "ولكن هذه القصص القليلة التي تناولت حرب التحرير الجزائرية، لم تكن في مجملها في مستوى هذه التجربة الإنسانية الكبرى، يغلب على معظمها الأسلوب المباشر والتفاصيل التاريخية المملة والنمط الوعظي البعيد عن فنيات القصة وتقنياتها". لهذا، فضل البعض أن يكتب للأطفال قصصاً تاريخية بأسلوب مباشر، من هذه الكتب: سلسلة "عظماء" لمحمد شطوطي، و"أبطال من وطني" لرابح ونيس، و"أعلام الجزائر" لمجموعة من الأساتذة.

من خلال هذه القراءة السريعة لهاتين الدراستين من لبنان والجزائر، يحق لنا السؤال: لماذا يستسلم جل كتاب القصة الوطنية إلى قيود الواقع والتاريخ دون السفر إلى عوالم المخيال؟ هل هو استسهال لكتابة التاريخ والاتكاء على الجاهز؟ أم هو قصور من الكثيرين عن الوعي بأهمية وأبعاد هذه القصة للأطفال، التي تحتاج دوماً إلى الاغتناء بكل منابع الدهشة لتكون أكثر رسوخاً في ذهن الطفل وأعمق أثراً في وجدانه؟

نموذج من تونس:

كما في الجزائر ولبنان، نجد العديد من كتاب الأطفال يسعون لكتابة القصة التاريخية والوطنية، وتقديم سلاسل تعرف بسير أبطالها ملتزمة بالأسلوب الواقعي، كسلسلة "عظماء بلادي" لرشيد الذوادي. ولكن، رغم تنامي الاهتمام بقصة الطفل وتعدد الإصدارات التي تتوفر فيها مقومات قصة الأطفال وتنجح في تحقيق أهدافها، فإن القصة الوطنية تظل جد قليلة مقارنة ببقية الأنواع. كما أننا لا نجد مشروعاً يعتني بها، رغم أهميتها في أكثر الأزمان استهدافاً للهويات واستلاباً لعقول الأطفال والشباب.

يقول محمد الغزي: "تنكب نقادنا عن قصص الأطفال، فلم يولوها عنايتهم ولم يعطفوا عليها بالنظر والتحليل، كأن هذه القصص لم تتمكن بعد من اختراق قلعة الأدب الحصينة التي تحرسها مجموعة من التقاليد والقوانين". قلة الاهتمام التي يستنكرها الغزي لقصة الأطفال عامة، فما بالك بالقصة الوطنية؟

تجربتي:

لهذا اخترت أن أقدم لكم مثالاً من تجربتي الخاصة، التي دخلتها بكل شغفي ومحبتي، لأقدم حكايات للأطفال يغتني فيها الواقع بالخيال، تجمعها سلسلة "حكايات بنت البحر"، يمكن أن نضع قصتين منها تحت خانة القصة الوطنية وهما "نضال والطائر" و"عروس فلسطين".

اخترت "عروس فلسطين" كمثال لمنهجي في الكتابة للأطفال، للقصة النابعة من التاريخ، المرتوية من تربة الوطن، المستشرفة لغد أجمل. تلخص القصة حكاية من كانت تسمى "عروس الشط"، الصبية الفلسطينية التي هُجرت من لبنان إلى تونس مع رفاقها الفدائيين، وسكنت معهم الملجأ التونسي في حمام الشط. أقيم حفل عرسها بعد عامين، ولكن ذات صباح، اقتحمت طائرات إسرائيلية سماء تونس وألقت قنابلها، حيث كانت هدى ترفع سماعة الهاتف لتحدث أمها البعيدة. سقطت هدى والسماعة في يدها في الغارة التي امتزج فيها الدم الفلسطيني بالتونسي في أكتوبر 85.

ولكن قصة الوطن المستهدف والعروس الشهيدة تقدم للأطفال عن طريق حمامة نائحة تحط على غصن في حديقة نضال، تروي له حكاية صديقتها الراحلة. حتى النهاية الموجعة تتحول إلى سفر جميل إذ يغيب الواقع، وتنزل غيمة بيضاء تلف الأب الشهيد، فينزل من سمائه ليضع إكليل زهور بيضاء على رأس هدى ويأخذها بين ذراعيه ليطيرا معاً إلى سماء صافية نيرة. من هناك، تقول الحمامة: "نثرت هدى من إكليلها زهوراً بيضاء تحية سلام لأرضها قبل أن تغيب".

ولكن، كيف تفتح للقصة الوطنية للطفل المعاصر مجالاً أرحب في زمن الصورة والوسائط التقنية المتعددة؟ لعل دافعي الأول لكتابة سلسلة "حكايات بنت البحر" هو طموحي لتجاوز الكتاب الورقي، بتقديم القصة في مشروع تتزاوج فيه الفنون؛ في مشروع القصة المغناة التي انطلقت في تجربة أولى مع الفنان عادل بوعلاق وقصة "رؤى والنجمة". ولكن المشروع توقف أمام انعدام رؤية المسؤولين وعجز وزارتي الثقافة والتعليم عن دعم المشروع التربوي ليظل حلماً معلقاً.

ومع هذا، لأن قدرنا أن نقاوم ونتشبث بالحلم، نعيد الآن رفع الصوت عالياً لحاجتنا إلى مشروع حقيقي طموح، تدعمه مؤسساتنا الرسمية القادرة، لا يهتم بقصة الطفل عامة فقط بل خاصة بالقصة الوطنية التي تجذر الانتماء وتبني الهوية في أخطر زمن تقوم فيه الحروب مستهدفة الأوطان.

لعل في ندوتنا هذه، وفي تظافر جهود المؤمنين بخطورة هذا الأدب، سبيلاً لتحقيق مشروع متكامل لأجل طفل عربي ينجو من الاستلاب، ولكي تصبح القصة فعل مقاومة هادئ، تعيد تشكيل العالم من داخل خيال الطفل، فتنجو به وتسمو ليكون في أدب الطفل الذي نروم نجاة وحماية  للأبناء وللوطن.