اللوفر أبوظبي يكشف أسرار قبته المذهلة

أشعة الضوء تتحول إلى حكاية معمارية نابضة تدعو الزائر لاكتشاف الفن عبر تجربة حسية مدهشة.

أبوظبي ـ يواصل متحف اللوفر أبوظبي ترسيخ مكانته كواحد من أبرز المعالم الثقافية والمعمارية في المنطقة، من خلال تقديم تجربة جديدة تتيح للزوار التفاعل مع هندسته الأيقونية بطرق مبتكرة تتجاوز المشاهدة التقليدية، وتحوّل الزيارة إلى رحلة حسية وفكرية متكاملة.

وفي هذا الإطار، ينظم المتحف جولات إرشادية خاصة تُقام كل يوم سبت، تركز على استكشاف العمارة الفريدة التي صممها المعماري العالمي جان نوفيل، والتي تُعد مثالا متقدما على دمج الفن بالهندسة في سياق ثقافي معاصر.

وتدعو هذه الجولات الزوار إلى إعادة اكتشاف الفضاء المعماري من خلال زوايا نظر جديدة، تقوم على التأمل والملاحظة الدقيقة للعناصر التي تشكل هوية المكان.

وتبرز القبة الأيقونية كأهم عنصر في هذه التجربة، حيث تمثل تحفة هندسية قائمة على تداخل طبقات معدنية معقدة، صُممت بعناية لخلق تأثير بصري فريد يُعرف بـ'شعاع النور'. هذا التأثير، الذي يستحضر مرور الضوء عبر سعف النخيل في الواحات العربية، لا يقتصر على كونه عنصرا جماليا، بل يتحول إلى تجربة معيشة يتفاعل معها الزائر في كل لحظة، مع تغيّر زوايا الضوء وشدته على مدار اليوم.

وتتيح الجولة داخل القبة للزوار فرصة نادرة لفهم العلاقة الديناميكية بين الضوء والظل، حيث تتبدل الأنماط الضوئية على الأرضيات والجدران بشكل مستمر، ما يمنح الفضاء طابعا حيا ومتجددا. كما تشجع هذه التجربة على التفاعل المباشر مع المكان، سواء عبر التقاط الصور، أو تتبع حركة الضوء، أو حتى التأمل في التفاصيل الدقيقة التي قد تمر دون ملاحظة في الزيارات التقليدية.

ولا تقتصر طرق التفاعل الجديدة على الجانب البصري فحسب، بل تمتد لتشمل البعد السردي والتعليمي، حيث يعتمد المرشدون على أسلوب الحكي لربط الزوار بقصة تصميم المتحف، بدءًا من فكرته الأولى، مرورًا بالتحديات الهندسية التي واجهت عملية البناء فوق المياه، وصولا إلى تحقيق التوازن بين الهوية المحلية والرؤية العالمية. ويمنح هذا الأسلوب الزوار إحساسًا بأنهم جزء من قصة أكبر، تتجاوز حدود المكان.

وتتوزع التجربة على سبع محطات رئيسية داخل المتحف، تم اختيارها بعناية لتسليط الضوء على أبرز ملامح التصميم المعماري، بما في ذلك الممرات المائية، والمساحات المفتوحة، والعلاقة بين الداخل والخارج. وتُعد هذه المحطات نقاط توقف للتأمل والتفاعل، حيث يتم تشجيع الزوار على طرح الأسئلة واستكشاف التفاصيل بأنفسهم، بدل الاكتفاء بالتلقي.

كما يحصل المشاركون على نسخة من كتاب 'اللوفر أبوظبي: قصة مشروع معماري'، الذي يُعد مرجعًا مبسطًا يشرح فلسفة التصميم والابتكارات الهندسية التي تميز المتحف، ما يعزز من تجربة التعلم ويمنح الزائر فرصة للعودة إلى التفاصيل لاحقا.

وبالتوازي مع هذه الجولات، يواصل المتحف تقديم برامجه العائلية والتعليمية التي تستلهم من مقتنياته الفنية، حيث يتم توظيف الهندسة المعمارية كمدخل لفهم الفن، والعكس كذلك. ففي ورش العمل، لا يُطلب من المشاركين فقط تقليد الأعمال الفنية، بل يُشجعون على التفكير في الفضاء الذي تُعرض فيه، وكيف يؤثر الضوء والظل على إدراكهم لها.

وتشمل هذه الأنشطة ورشا مستوحاة من أعمال فنانين عالميين مثل بابلو بيكاسو وبول كليه، حيث يتم دمج مفاهيم التكوين الفني مع عناصر معمارية، مثل الطبقات، والفراغ، والتوازن. كما تتيح برامج “بعد المدرسة” للطلبة فرصة استكشاف هذه المفاهيم بشكل أعمق، من خلال أنشطة تجمع بين الرسم والملاحظة والتحليل.

وتُعد جلسات 'ابحث واكتشف' مثالا آخر على طرق التفاعل الجديدة، حيث يتحول الزوار إلى مستكشفين يبحثون عن إجابات داخل الفضاء المعماري، من خلال حل الألغاز وربط المعلومات، ما يعزز من قدرتهم على التفكير النقدي والتفاعل مع المكان بشكل نشط.

وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى العمارة كخلفية صامتة للأعمال الفنية، بل كعنصر حي يشارك في تشكيل التجربة الجمالية. فالقبة، والممرات، والمياه المحيطة، جميعها تتحول إلى مكونات أساسية في سرد قصة المتحف، وتدعوا الزائر إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والمكان.

ويعكس هذا التوجه رؤية متحف اللوفر أبوظبي في تحويل الزيارة إلى تجربة متعددة الأبعاد، تجمع بين الفن، والتعليم، والهندسة، وتفتح آفاقًا جديدة للتفاعل مع الفضاءات الثقافية. ومن خلال هذه المبادرات، ينجح المتحف في تقديم نموذج مبتكر لكيفية توظيف العمارة كوسيلة للتواصل، ليس فقط مع التراث، بل مع المستقبل أيضًا، في تجربة تُعيد تعريف معنى زيارة المتاحف في العصر الحديث.