المجهول أفق جديد لملوك الطوائف
هل تمتلك اللوحة طقوس القصيدة ومخاضها؟ من يتأمل لوحات معرض "اغاني اندلسية" لهاني مظهر سيبحث عن اجابة لهذا التساؤل.
ثمة ما يوحي بانه مارس من دون ارادة طقوس الشاعر بوجعها ونشوتها كي يرسم تلك الاغاني المغسولة بالتاريخ والمستسالة على الواقع المعاصر، عادت فرشاته الى الماضي كي تعيش اليوم. المعرض المتواصل حاليا على قاعة الموزاييك وسط لندن والذي رعاه اتحاد المدارس العربية في بريطانيا، يبعث على راحة لونية للعين مثلما قد يدعوها الى البكاء. تلك الثنائية: مسرة العين وبكاؤها التى رسمتها فرشاة هاني مظهر بدربة وثقة عند مرورها على فضاء اللوحة، رسم كل ذلك بمزاج فني متوحد مع الذات وقناعاتها. لم يخطط هاني مظهر المولود في السماوة عام 1955
لطبيعة معرض "أغاني أندلسية" بل قرر ان يرسم فقط من دون ان يهمل الخيط الواصل بين حسه الروحي ونهاية فرشاته حول تاريخ الاندلس الذي يكاد يتكرر اليوم في بغداد.
اختار القاهرة كمكان عشوائي لعزلته، ليس القاهرة كمدينة بصفتها امتياز للرسم وانما مجرد مكان يقربه من الموضوع، لم تربطه بالمكان على مدار أربعة اشهر رسم فيها لوحات هذا المعرض أي وشيجة، واكتفى بالرسم هناك فقط، كان يعمل مع ذاته المجردة وكأنه لا يتفق مع مقولة بيكاسو "ليس هناك فن مجرد".
تكاد لوحة "ملوك الطوائف" تشكل الثيمة الحسية لاندفاع ريشة هاني مظهر في اختيار الاندلس موضاعاً لمعرضه الشخصي الجديد الذي يحمل الرقم 25 في تجربته الفنية الممتدة على أكثر من ربع قرن. في "ملوك الطوائف" تلتقي العزلة مع العزلة بفاصل تشكيلي، وتاريخ الخسائر الآفل يتوج اليوم في ثنائية مدينتي "الزهراء وبغداد" والمشترك هنا ملوك الطوائف ووحشيتهم التي أظهرها هاني مظهر بكل ما تحمل من قسوة وموت وتعذيب. اللوحة في اجزائها الثلاثة والمؤطرة باطار واحد تكتفي بذاتها في كل قسم من دون ان تفقد الصلة بالقسم الاخر، فالضحية كما بدت هي بغداد أو المرأة العراقية حيث تنز جراحها ويسيل الموت على جسدها الواقف، متوسطة المشهد تحت عبارتي مدينة الزهراء وبغداد، الكتابة هنا ليس بدلالتها الحرفية، انها اشارة اعمق من ان تمر من دون تأثير، فيما تبدو على يمين الضحية صورة مرعبة لملوك الطوائف الأندلسيين بكل ما تحمله من وحشية، وعلى اليسار ملوك الطوائف الجدد في العراق المحتل بمواصفات البترودولار وعمائم العبودية القادمة من القرون الغامضة. ثنائية الفساد والقتل يتقابلان ليفضيان الى خسارة الاندلس التي تؤول الى خسارة بغداد القتيلة.
لم يرسم الفنان التشكيلي العراقي هاني مظهر هذه اللوحة بتخطيط هندسي، بل بحس شعري متآس على التاريخ ويعيش الوجع اليومي لوطنه المستباح. والوجع فيها امتداد لوجع آخر يتسق مع وجع العشق الاندلسي. وعندما سألته كيف تسنى له ان يرسم الوجع والعشق في آن واحد؟ قال "ان الثنائية كانت حاضرة، لكن بمسافة زمنية مقبولة، أرسم وله الاندلس وغناءها في عدد من اللوحات، ومع فاصل زمني استعيد أنفاس اللون كي أعود الى الوجع".
العشق في هذا المعرض الذي يضم عشرين لوحة رسمت بالكريلك على الجنفاس، يكاد يسيل بلون أخضر وبعيون مفتوحة على الحب، كما تجسد ذلك لوحة "زمان الوصل" العناق فيها يجسد حضارة الانفتاح الرائق آنذاك وكأنها تعيد قصائد ولاّدة التي لم تكتبها امرأة بمواصفات تاريخية. اجتهد هاني مظهر في جمع "زمان الوصل" بحمامتي حب بيضاء في إطار لوني لا يوحي أبدا بالقيد وقربهما من قلبي العاشقين، الشفاه تغادر مواصفاتها البيولوجية في التقبيل بهذه اللوحة، القلب هو الذي يُقبل. كذلك تستمر ثنائية الحب بمسافات تقترب وتبتعد وكأنه يستخدم "زووم" العدسة في تقريب المشهد عبر سبع لوحات اسمها شجرة الحب، تذكير تشكيلي رائق بالحب الذي كان سائدا آنذاك في الاندلس، وكيف ان الحضارة العربية استجابت لواقع جديد وتخلصت من القيود الدينية المفترضة، الغناء طقس للوله ودفقة حياة في زمن لن يتكرر. وتكاد ان تكون لوحة زرياب استعادة لاقمار الغناء، وجه الحبيبة أشبه بقمر أندلسي يغتسل بالغناء، لا حواجز ولا شرفات بين المغني والحبيبة، انها تنتظر فيما تعمد هاني مظهر ان يجعل فضاء اللوحة الخلفي أشبه بطقوس السهر، حتى الجدران تستلذ بالغناء، اجواء اللون الوردي والحرير الذي ترتديه الحبيبة موحيان للطرب، فيما المغني لا يتخلص من التياعه حتى فيما يرتديه، اللون لغة مضافة للغناء في هذه اللوحة. كما يستثمر الثنائية نفسها في ايحاء مختلف بلوحة "أسد بن فرات" يا لدلالة الاسم... تماما مثل ثنائية مدينتي الزهراء وبغداد في لوحة "ملوك الطوائف". لقد جعل من نافورات الانلدس فضاءً خلفياً لوقفة أسد بن فرات واستعان باسمه كي يلغي الأسود من على النافورات، هو الاسد بايحاء الاسم والشاخص، فما حاجتنا للتماثيل. لم يأت كل ذلك بتخطيط المهندس، بل بحسية الشاعر الذي يكتب بالريشة ويطوع الألوان، لا يبحث هاني مظهر لتفسيرات للوحة التي يرسمها، بل يكتفي باحساسه بها، مثلما تكتفي هي باجوائها، كذلك ولدت لوحة "اسد بن فرات".
أما "ولاّدة" فتكاد تختصرها الاعين في ثلاث لوحات حملت اسمها بينما يبدو حضورها ايحائيا في لوحات الاغاني، اللون الاخضر الشذري والعيون المفتوحة على الافق والتواقة الى الحياة هو ما ركز عليه الفنان. وعندما سألته عما اذا كانت دلالة العين المتشابهة في اغلب اللوحات تشيء بشيء ما، لم يجد هاني مظهر اجابة سوى احساسه بأجواء اللوحة عند رسمها. المعرض برمته رسالة تشكيلية متواصلة لاسلوب هاني مظهر، باستثناء معرض الحلاج الذي عالجه باسلوب تشكيلي مختلف، ومن يعود الى أعمال هاني منذ التسعينيات يكتشف الصلة الفنية التي تجمعه بمعرض "أغاني اندلسية"، ثمة متعة بصرية وحس فني لا ينتهيان عند الانتهاء من المرور أمام اللوحات العشرين، التي لم تسقط في فخ التجاري ــحسب هاني مظهرــ قال لي "كان بامكاني أن أروّج للتجاري ببساطة على حساب قيّم اللوحة، ولم اعط هذا التنازل".