المحو لتأثيث ممكنات جمالية

جولة في تجربة وأعمال الفنانة التشكيلية والباحثة التونسية نجاح المنصوري.
تجربة حرية بالدرس لما تستبطنه من وعي مخصوص تجاه الفن
مشهدية تشكيلية مغايرة في اللوحة

الفن .. الفكرة الآسرة والمحيرة حيرة الإنسان وانسيابية أسئلته واحتشادها بين معقدة وبسيطة. الفن هذا الركام من المنجز الإنساني بحثا وتقصدا للأجمل والأنقى والأرقى تجاه الموجود والمنشود كذلك. الفن بما هو لعبة الكائن الأولى وهو ينحت هبوبه مثل ريح ناعمة لا تلوي على غير القول بالآه والبهجة الخافتة والعلو .إنها أوجه الفن وممكنات تجليات الإنسان ضمنه وهو يمضي في دروبه لا يلوي على غير تأصيل ذاته وكيانه في كون محفوف بالأشياء والعناصر والتفاصيل المتغيرة والحاضنة لسيرها في عناء وحرقة. الفن بما هو عنوان للحيرة الكبرى المحيلة إلى المنجز الذي هو حيز من تمثلات وانعكاس لاعتمالات الدواخل حيث الإقامة بين الوردة والسكين، بين الحالة والآلة.
إنها اللعبة الباذخة التي لا تنتهي. الفكرة المسكونة بتمامها في النقصان وبنقصانها في اكتمالها حيث النظر هنا وهنا، بعين القلب لا بعين الوجه.
وجوه يلفّها الخسران
في ضفّتيه..
حيث السّرور والسّواد البارد..
رأيت النّور يجلس في باحة الألوان
هي الذّكرى
أو كأنّها هي..
وجوه تلطم خدود التّواريخ
تختفي
كموسيقى خلف الألوان...
هي غربة في المرايا
تزرع الأسئلة في الأيقونات
هي أعمدة النشيد
في هذا البرد الكوني المريع.
نعم يمضي الفنان والتشكيلي تحديدا في هذه الأكوان من التعاطي مع الفكرة باعتبارها المجال الأرحب والأضيق لمحاورة الذات ومحاولتها وفق عنوان لافت ومفتوح وهو ضروب التخير تجاه طرح الأسئلة والنظر وفق حالة التذوق والوعي الجمالي وممكنات كل ذلك لدى الآخر، العالم.
اللون لعبتها الأولى..
لتمحو شيئا من ضجيج اللغة والوجوه 
والأمكنة ...
وهل ثمة أمكنة 
غير النسيان ونيران الأسئلة.
في هذا الزخم من التجارب الفنية المكتوية بنيران السؤال والبحث في الدروب الوعرة وغير المطمئنة في عوالم التشكيل. نلج شواسع التجربة الفنية لفنانة تبحث عن طرائق للاختلاف والتغاير قولا بالفن بما هو ينابيع نظر آخر ونزوعا نحو إدراك جمالي ووجداني ينهل من خصائص الذات وعذاباتها وهي تراكم هواجسها بحثا عن الجديد والمختلف في ضروب من لعبة التشكيل التي تتشابك تلويناتها وقضاياها وتفاصيلها وهي الفنانة التي ارتأت الذهاب مع فكرة المحو لتأثيث ممكنات أخرى وبحثا عن اكتمال مشهدية تشكيلية في فضاء اللوحة حيث القماشة حاضنة عمل دؤوب تحتشد فيه ألوان المغامرة والتي من أدواتها الحذف والأشكال والجزئيات والألوان المتحاورة والمتجاورة ولكنها الصاخبة في اعتمالاتها. كل ذلك قولا برؤية أخرى للنظر وفكرة الاكتمال. 

fine arts
غربة في المرايا

إننا نعني تجربة الفنانة التشكيلية الباحثة نجاح المنصوري التي عندما نلج عوالم لوحاتها وأعمالها نستشعر هذا الكم من الأحلام التي تعتمل في ذاتها وهي تباشر فسحاتها مع القماشة، فالمحو هو كتابة أخرى ولعبة تامة الدلالة لتبين حالات أخرى من العمل، من ممكنات اكتماله الأخرى في جدلية تبتكر ألوانها المختلفة التي نراها من لوحة إلى أخرى في علاقات حضور متعددة بين التناسب والتضاد، فاللوحة في عديد الأعمال لنجاح مجال حيوية وحركة ومن حيث التلوين والكتل والأشكال. إنها تضعنا أمام سؤالها الدائم في أعمالها والقائل بلعبة الإبانة والإخفاء والإضافة والمحو وفق تخير لوني يبرز حيزا من الصراع.
تنظر باتجاه العمل الفني لنجاح المنصور وتمعن في النظر قراءة وتأويلا لتسافر أو تتيه في حالات من شعرية الحيرة؛ حيرة الكائن منذ القدم وهو يلهو بأسئلته وتفاصيله وكيانات عوالمه المربكة. إنها متعة جمالية بعنوان الصراع المولد. نعم تمعن في النظر وبوسعك الإقامة في هذا النظر. ولكن بالنهاية وفي لحظة قطعك مع النظر لا تملك إلا أن تتحسس أطرافك وتنظر في كفيك وتحرك أناملك. نفعل كل ذلك من لوعة ورعب وحرقة المايحدث.
نعم كتل وأجسام تامة ومبتورة الأجزاء تملأ الفضاءات الملونة أصواتا وضجيجا ولكن في صمت عظيم. هنا تكمن لعبة التعاطي الجمالي بين الرسامة والعمل الفني. لا شيء يظل غامضا في العمل لكن لا شيء يتضح فقط هي متعة الكمال والنقصان لتذهب العين عندها إلى زوايا أخرى من العمل / اللوحة بحثا عن فعل المحو المبثوث في المرئي على جسد القماشة، فبين التركيبات اللونية والأشكال يظل ينهل المجال التشكيلي في اللوحة ليأخذنا طوعا وكرها إلى نظر مخصوص في علاقتنا الجمالية بالأثر الفني لفنانة تبحث، ولا تريد غير ذلك، ديدنها الوصول ثم الذهاب فالوصول ثم... إنه الذهاب الدائم في جادة الفن. لوحات لا تملك معها إلا القول بالإبداع كنهج للعبارة تجاه تجريدية العناصر والأحوال حيث الفنان كائن هش هشاشة عناصره وشخصياته وكائناته في العمل الفني. ومثل ذلك في الشعر والرواية. نعم نكتب لنمحو ونمحو بحثا عن كتابة أخرى ليظل المعنى سؤالا مقيما.  
الفنانة نجاح المنصوري شكلت حالاتها الفنية وفق أهمية وسائل ووسائط المحو والحذف وليس الهدف أو النتيجة.
تجربة حرية بالدرس لما تستبطنه من وعي مخصوص تجاه الفن. لذلك هي ثقول عن سياقاتها الفنية مثلا: "... اشتغلت على الحذف بين الحضور المسؤول والغياب المؤسس وبحثت في أهمية التفصيلة (الجزئية) العينية في إدراكنا الجمالي وعن السبل الكفيلة لتفعيل تقنيات الحذف في توليد الفضاء التشكيلي. فاتخذت في مرحلة أولى رمز المحذوف في شكل مربع تدور حوله جميع الطروحات التقنية سواء كان ذلك على مستوى التركيب أو التلوين أو تشكيل المعاني. وجربت في ذلك الحذف بالإضافة وكنت أعبر عن هاجس البحث الذي يسكنني بعدم الرضا بالموجود في الفعل الذي أنجزه فأقوم بحذفه بإضافة لطخات لونية، وإضافات خطية. فكانت النتيجة تراكيب مثقلة خطيا ولونيا وتركيبيا وتقنيا: جاءت الخطوط على تنوعها مائلة، منحنية، رقيقة، متينة. وحضرت الألوان باختلاف درجاتها باردة وحارة، رمادية ونقية، متكاملة ومتناقضة. والنتيجة تركيبة تراكمية ومعقدة نوعا ما ...".
والفنانة التشكيلية والباحثة نجاح المنصوري حاصلة على ماجستير في جماليات وممارسات الفنون المرئية اختصاص فنون تشكيلة بالمعهد العالي للفنون الجميلة بسوسة سنة2014   وعلى الأستاذية في الفنون التشكيلية بالمعهد العالي للفنون والحرف بصفاقس. 2003  ولها مشاركات متواصلة في معارض اتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين منذ سنة2005 وهي عضو الرابطة التونسية للفنون التشكيلية وتشارك في معارضها منذ سنة 2010.