اليونسكو تدرج 'الظاهر' التونسية ضمن الحدائق الجيولوجية العالمية
تونس ـ أقرّت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) إدراج 'الحديقة الجيولوجية الظاهر' بالجنوب الشرقي التونسي ضمن الشبكة العالمية للحدائق الجيولوجية، في خطوة تاريخية تُعد الأولى من نوعها في تونس والثالثة على مستوى القارة الإفريقية، بما يعكس اعترافًا دوليًا بقيمة التراث الجيولوجي والجيوثقافي الذي تزخر به البلاد.
وجاء هذا القرار بالإجماع خلال أعمال المجلس التنفيذي للمنظمة في باريس، تتويجا لمسار طويل من التنسيق بين مختلف الهياكل التونسية، شمل الوزارات المعنية والجماعات المحلية، إلى جانب القطاع الخاص ومكونات المجتمع المدني، بهدف تثمين هذا الموروث الطبيعي وحمايته ضمن رؤية تنموية مستدامة.
وأكد المندوب الدائم لتونس لدى اليونسكو ضياء خالد في كلمة ألقاها أمام المجلس، أن هذا الإدراج يحمل أبعادًا استراتيجية، من شأنها دفع عجلة التنمية الجهوية، وفتح آفاق جديدة أمام الاستثمار والسياحة البديلة، بما يعزز تموقع تونس كوجهة متميزة في مجالات السياحة الثقافية والبيئية.
وتمتد الحديقة الجيولوجية الظاهر على مساحة تقارب 6 آلاف كيلومتر مربع، تشمل مناطق واسعة من ولايات (محافظات) تطاوين ومدنين وقابس، من مطماطة شمالًا إلى ذهيبة جنوبًا، وتتميّز بتنوع جيولوجي وبيئي فريد، إضافة إلى غنى تراثها الثقافي والاجتماعي.
وتُعد الحديقة بمثابة متحف طبيعي مفتوح، إذ تحتضن مواقع جيولوجية تعود إلى عصور سحيقة، من بينها بقايا 'بحر التيتس' الذي يعود إلى العصر الجوراسي، فضلا عن متحجرات نادرة وآثار ديناصورات يتجاوز عمرها 100 مليون سنة. ومن أبرز الاكتشافات في المنطقة الهيكل العظمي الكامل للديناصور 'تطاوينيا هانيباليس'، الذي يمثل إضافة نوعية لعلوم الحفريات عالميا.
وتستمد المنطقة أهميتها الجيولوجية من تاريخها الطبيعي، حيث كانت مغمورة بالمياه قبل ملايين السنين، قبل أن تنحسر تدريجيًا، تاركة وراءها تكوينات صخرية وسلاسل جبلية، من بينها جبال الظاهر التي ما تزال شاهدة على هذه التحولات، وتضم أعلى قمة فيها 'كف النصورة' بارتفاع يفوق 700 متر.
ويُرتقب أن يساهم هذا التصنيف الدولي في تعزيز مكانة تونس على خريطة البحث العلمي والدراسات الحفرية، إلى جانب دعم الاقتصاد المحلي من خلال تطوير السياحة البديلة، وخلق فرص عمل جديدة لفائدة سكان المنطقة، خاصة في مجالات الإرشاد السياحي والخدمات البيئية والصناعات التقليدية.
كما يُمثل هذا الإنجاز إضافة جديدة إلى رصيد تونس في قوائم التراث العالمي، حيث تنضم الحديقة إلى مجموعة من المواقع المصنفة التي تعكس تنوع وغنى الموروث الطبيعي والثقافي الوطني.
وتندرج 'الحدائق الجيولوجية العالمية' ضمن مفهوم متكامل يجمع بين حماية المواقع الطبيعية ذات القيمة الدولية، وتعزيز التعليم والبحث العلمي، ودعم التنمية المستدامة، مع إشراك المجتمعات المحلية في إدارة هذه الفضاءات وتثمينها.
وتضم الشبكة العالمية لليونسكو، إلى حدود سنة 2025، نحو 229 موقعًا موزعة على 50 دولة، تغطي مساحة تفوق 816 ألف كيلومتر مربع، وقد تم خلال الدورة الحالية إدراج 12 موقعًا جديدًا، من بينها الحديقة الجيولوجية الظاهر.
ويرى مختصون أن هذا التصنيف يشكل فرصة حقيقية لتطوير منظومة السياحة البيئية في تونس، خاصة في المناطق الداخلية، غير أن تحقيق الاستفادة القصوى منه يظل رهين وضع استراتيجية متكاملة تشمل تحسين البنية التحتية، وتطوير الخدمات السياحية، وتعزيز الترويج الدولي لهذا الموقع الفريد.
وبذلك، تفتح الحديقة الجيولوجية الظاهر صفحة جديدة في مسار تثمين الثروات الطبيعية التونسية، مؤكدة قدرة البلاد على تحويل موروثها الجيولوجي إلى رافعة للتنمية المستدامة، ومجال واعد للاستثمار العلمي والسياحي على حد سواء.