انخراط واشنطن في المساومات السياسية العراقية يفاقم الأزمة

العقوبات الاقتصادية تزيد معاناة المواطنين، وتنتج مشاكل أكبر باتساع دائرة الصراعات وتراجع الاستقرار.

بغداد – يواجه العراق معضلة في اختيار رئيس الوزراء، بعد انتخابات برلمانية كان من المنتظر أن تسهم في الاستقرار السياسي، ويزداد انعدام الثقة بالولايات المتحدة التي تحاول فرض سطوتها السياسية ولن تؤثر فقط على مستقبل العراق، بل ستؤثر أيضاً على مصداقية واشنطن في الخارج وعلى التوجه العام للسياسة الخارجية الأميركية.

وبحسب تقرير لموقع "يوراسيا ريفيو"، فإن على الإدارة الأميركية أن تفكر مليا بكيفية التعاطي مع التحول السياسي في العراق، وبجدوى ممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية على العراقيين خصوصاً في ظل حساسية المشهد السياسي الداخلي وتعقيداته.

ومع وجود أطراف تعتقد بضرورة انخراط الولايات المتحدة بشكل فعلي في السياسة العراقية، باعتبار أن هذا الانخراط يُسهم في استقرار المنطقة ويمنع عودة القوى إلى سابق عهدها. لكن ممارسة الولايات المتحدة ضغوطاً مفرطة قد تُفاقم الأوضاع سوءا.

وأشار التقرير إلى وجود اتهامات متداولة بشأن سعي الولايات المتحدة للتأثير في اختيار رئيس الوزراء المقبل عبر تشجيع قوى سياسية عراقية على دعم مرشحين تفضّلهم واشنطن، إلا أنه أوضح أن هذه الادعاءات قد لا تكون دقيقة بالكامل.

لكن التدخل الأجنبي يثير مخاوف حقيقية لأنه قد يضر بنظرة العراقيين إلى الديمقراطية، كما يطرح تساؤلاً أوسع أمام صناع القرار الأميركيين حول ما إذا كان الانخراط في المساومات السياسية الداخلية يعزز الاستقرار على المدى البعيد أم يفاقم مشاعر عدم الثقة والاستياء.

وتقول كاتبة التقرير إريكا فيسير، عندما يعتقد الناس أن دولًا أخرى هي من تختار قادتهم، يبدأون بالتشكيك في النظام. وهذا قد يُسبب مشاكل. فقد تزداد حدة الخلافات بين الجماعات السياسية المختلفة، وقد يبدأ البعض بالنفور من الولايات المتحدة التي هي الدولة الأكثر تضررًا من هذا الوضع إذ يُسهّل هذا الوضع على الجماعات المتطرفة نشر أفكارها القائلة بأن الولايات المتحدة تفرض على الدول قادتها.

كما يشكل الضغط الاقتصادي مشكلة كبيرة، بما في ذلك العقوبات التي تؤثر بشكل كبير على الناس، فرغم أنها تهدف إلى تغيير سياسات الحكومة، لكنها في الواقع تضرّ بالمواطنين العاديين أكثر من غيرهم. فعندما يعاني الناس من ضائقة مالية، يشعرون بالغضب والإحباط، مما قد يُسبب مشاكل جمة في الدولة، ويُضعف الحكومة، ويُسهّل على الجماعات المتطرفة استقطاب أعضاء جدد.
ويمكن أن تُفاقم الصعوبات الاقتصادية والعقوبات معاناة الكثيرين، وتزيد من معاناة من يُعانون أصلاً، مما قد يُؤدي إلى مشاكل أخرى، مثل ازدياد الصراعات وتراجع الاستقرار. لذا، يُعدّ الضغط الاقتصادي، بما في ذلك العقوبات، قضية ذات آثار سلبية عديدة.

وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن هذه النتائج من شأنها أن تقوض الأهداف المعلنة المتمثلة في تعزيز الاستقرار والحكم الديمقراطي.

وأعاد التقرير التذكير بإرث غزو عام 2003، الذي أدى إلى تغيير النظام السياسي وترك تداعيات عميقة على استقرار البلاد، وأسهم في تعميق الانقسامات المجتمعية.

ولا يزال العراق، يتعامل مع آثار تلك المرحلة، بما في ذلك صعود جماعات متطرفة مثل تنظيم داعش، إضافة إلى الأضرار الواسعة التي خلفها الإرهاب في البنية الاجتماعية والاقتصادية.

وتفسر هذه التجارب التاريخية الحساسية الكبيرة تجاه قضايا السيادة والاستقلال السياسي داخل المجتمع العراقي، فأي ضغط أميركي مفرط قد يأتي بنتائج عكسية.

وأكد التقرير أن ضعف الاستقرار السياسي وتراجع ثقة المواطنين بالحكومة في العراق قد يتفاقمان إذا استمرت سياسات الضغط الخارجي، مشدداً على ضرورة أن توازن السياسة الخارجية الأميركية بين مصالحها الاستراتيجية واحترام استقلال الدول وأنظمتها السياسية.

وخلص إلى أن مستقبل العراق يجب أن يبقى بيد العراقيين أنفسهم، عبر تمكينهم من اختيار قيادتهم دون تدخلات خارجية، بما يعزز ثقة الشعب بالدولة ويمنحه شعوراً حقيقياً بالمشاركة في صنع القرار.

ومرحلة ما بعد الانتخابات في العراق لا تمثل مجرد صراع سياسي داخلي، بل اختباراً لمدى قدرة السياسة الخارجية الأميركية على التعلم من تجارب الماضي، فاحترام السيادة وتشجيع الحوار ودعم الاستقرار طويل الأمد تمثل الطريق الأفضل لمستقبل العراق والمنطقة، وكذلك لمصداقية الولايات المتحدة دولياً.