انهيار اقتصادي يختبر قدرة إيران على الصمود

النظام الإيراني يراهن على قدرة السكان على استنزاف مدخراتهم بانتظار تسوية سياسية.

 طهران – تسببت الحرب الأميركية الإسرائيلية على طهران وتداعياتها في تفاقم الأزمات الهيكلية للاقتصاد الإيراني، مما ينذر بكارثة معيشية في مرحلة ما بعد الحرب. ورغم الحصار البحري الذي شلّ صادرات الطاقة عبر الخليج، تبدي إيران قدرة على الصمود في ظل حالة الجمود، لكنها لن تدوم طويلا بحسب تقديرات خبراء.   

وبينما تواصل الجمهورية الإسلامية إغلاق مضيق هرمز وتواجه حصاراً على موانئها الخليجية، تبدو المؤشرات الفورية للانهيار محدودة، حيث لا تزال طهران تعتمد على مخزونات داخلية وفيرة وتجارة برية نشطة مع جيرانها.

ويرى مراقبون أن مراهنة واشنطن على انكسار سريع لإيران قد تصطدم بوقائع ميدانية، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس والضغوط التضخمية العالمية.

وتقول سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط في "تشاتام هاوس" إن "حسابات القيادة الإيرانية للصمود تتجاوز توقعات الغرب"، مضيفة أن النظام يستخدم "اقتصاد المقاومة" وقبضته الأمنية لامتصاص الصدمات، مراهناً على قدرة السكان على استنزاف مدخراتهم بانتظار تسوية سياسية.

ورغم غياب البيانات الرسمية وانقطاع الإنترنت، تتداخل المشاهد الاقتصادية في إيران بين الاستقرار الظاهري والنزيف الخفي، حيث هوى الريال بنسبة 70 بالمئة خلال عام، وفقد 15 بالمئة من قيمته مؤخراً، لكنه استقر نسبياً بعد صدمة يناير/كانون الثاني.

ولم تلجأ السلطات حتى الآن لتقنين السلع أو الوقود، ولا تزال رواتب الموظفين تُصرف بانتظام، مع وفرة في السلع الاستهلاكية بالمتاجر.

وتراجعت حركة الناقلات بشكل حاد، حيث لم يغادر سوى 300 ألف برميل من أصل مليون تم تحميلها في أبريل/نيسان، إلا أن خبراء الطاقة يتوقعون قدرة طهران على الصمود لشهرين إضافيين قبل الاضطرار لخفض الإنتاج.

وتعتمد طهران على استراتيجيات بديلة لكسر الطوق، من بينها الاحتياطيات، حيث يمتلك البنك المركزي أطناناً من الذهب لتمويل الواردات العاجلة. كما تعد إيران أقل دول المنطقة تأثراً بانعدام الأمن الغذائي، ومع موسم حصاد مبشر، تقل حاجتها لاستيراد القمح بالعملة الصعبة.

ويظل ميناء "تشابهار" على بحر العرب خارج نطاق الحصار المركز على الخليج، كما نشطت التجارة عبر بحر قزوين مع روسيا (شملت آلاف الأطنان من الحبوب)، إضافة للتبادل البري مع العراق وتركيا وباكستان.

وخلف أرقام الصمود الكلي، يئن القطاع الخاص والمواطن العادي؛ فالشركات تعاني من تعطل سلاسل الإمداد، والتجار يبلغون عن انخفاض المبيعات بنسبة تصل إلى 40 بالمئة نتيجة تآكل القوة الشرائية.

وتخشى السلطات الإيرانية أن تؤدي هذه الضغوط إلى موجة احتجاجات جديدة تفوق تلك التي اندلعت في يناير/كانون الثاني، والتي قُمعت بعنف. وتؤكد سنام وكيل أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يتضمن رفع العقوبات والوصول إلى الأصول المجمدة، لأن الصمود الحالي، رغم نجاحه تكتيكياً، لا يمكنه منع الكارثة الاقتصادية طويلة الأمد دون العودة إلى التجارة الطبيعية وزيادة مبيعات النفط.

وفي سياق متصل أظهرت بيانات شحن أن الحصار البحري أدى إلى انخفاض صادرات طهران النفطية، مما تسبب في تكدس مخزون متزايد من النفط الخام على متن ناقلات النفط، مع نفاد مساحة التخزين في المواقع الإيرانية.

وفي ظل وقف ‌بعض السفن لأنظمة التتبع وإعادة القوات الأميركية لناقلات النفط، بات من المستحيل تحديد كمية النفط الخام التي تصدرها طهران إلى عملائها، وخاصة الصين المشتري الرئيسي للنفط الإيراني.

وذكرت فورتيكسا لتحليلات النفط أن عددا قليلا فقط من ناقلات النفط الإيرانية غادرت خليج عمان في الفترة من 13 أبريل/نيسان إلى الـ25 من الشهر نفسه. وتظهر بيانات مجموعة بورصات لندن أن هذا يمثل انخفاضا يزيد عن 80 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من شهر مارس/آذار، عندما صدرت إيران 23.4 مليون برميل.

ويفاقم انقطاع الإمدادات الإيرانية شح المعروض في السوق، إذ أبقت الحرب مضيق هرمز في حكم المغلق، مما قلص صادرات النفط من السعودية والإمارات والكويت والعراق، ورفع الأسعار، وهو ما تسعى الولايات المتحدة لتجنبه.

وأفاد محللون في "كبلر" بأنهم لم يرصدوا مغادرة أي ناقلات نفط خام إيرانية للخليج منذ بدء الحصار البحري. وقالت السلطات ‌الأميركية الأربعاء إن الحصار المفروض على إيران يحرم طهران من عائدات ضرورية من صادرات النفط الخام.

وقالت القيادة المركزية الأميركية أمس "يوجد حاليا 41 ناقلة تحمل 69 مليون برميل ‌من النفط لا يستطيع النظام الإيراني بيعها". وأظهرت بيانات تانكر تراكرز المتخصصة في معلومات الملاحة البحرية أنه رغم الضغوط، لا تزال ‌إيران تحمّل النفط الخام في مركز التصدير الرئيسي لها في جزيرة خرج.

وأضافت أن صور الأقمار الصناعية تظهر ما لا يقل عن 10 ناقلات نفط راسية قبالة ميناء تشابهار الإيراني في خليج عمان. وضخت طهران نحو 3.24 مليون برميل يوميا من الخام في فبراير/شباط ووجهت نحو نصف هذه الكمية للتكرير المحلي.

وقال يوهانس راوبال المحلل لدى كبلر إنه مع ذلك، فقد تضطر البلاد إلى البدء في خفض الإنتاج خلال أسبوع أو أسبوعين، نظرا لنقص مساحات التخزين.

وأشارت كبلر إلى أن مساحات التخزين على البر امتلأت بنسبة نحو 60 بالمئة، حيث تتجاوز المخزونات 50 مليون برميل، بينما تبلغ الطاقة الاستيعابية 86 مليون برميل.