باروميتر تريندز: كيف تعيد المنصات الرقمية تشكيل استهلاك الأخبار؟

المنصات الرقمية لم تعد مجرد وسائط لنقل الأخبار، بل تحولت إلى فضاءات ديناميكية تعيد تشكيل الخبر ذاته.

أبوظبي - أصدر قطاع الباروميتر العالمي في مجموعة 'تريندز' تقريرا حديثا بعنوان "منصات رقمية ووعي متشكل.. كيف يستهلك الشباب الأخبار؟"، مسلطا الضوء على التحولات العميقة في أنماط استهلاك الأخبار لدى فئة الشباب ودور المنصات الرقمية والخوارزميات في إعادة صياغة البيئة المعلوماتية، بما يحمله ذلك من فرص وتحديات تؤثر مباشرة في تكوين الوعي العام.

ويرصد التقرير انتقالا بنيويا في النظام الإعلامي، حيث لم تعد المنصات الرقمية مجرد وسائط لنقل الأخبار، بل تحولت إلى فضاءات ديناميكية تعيد تشكيل الخبر ذاته، من حيث أولوياته وسياق عرضه. وهذا التحول نقل مركز التأثير من المؤسسات الإعلامية التقليدية إلى بيئات رقمية سريعة الإيقاع، متدفقة المحتوى، وجعل متابعة الأخبار جزءاً مدمجاً في الحياة اليومية للشباب، بدلاً من كونها نشاطاً منفصلاً أو دورياً.

وفي خضم هذا التحول، يشير التقرير إلى بروز تحديات متزايدة تتعلق بجودة المعلومات ومصداقيتها، فمع تراجع الضوابط التحريرية التقليدية وسهولة إنتاج المحتوى ونشره، توسعت دائرة انتشار المعلومات المضللة وارتفعت كلفة التحقق بالنسبة للمستخدم. وبذلك، لم يعد التحدي الأساسي هو الوصول إلى الخبر، بل القدرة على تقييمه وفهم سياقه، والتمييز بين ما هو موثوق وما هو مضلل.

ويلفت التقرير إلى الدور المحوري الذي تلعبه الخوارزميات في تشكيل تجربة استهلاك الأخبار، إذ تقوم بتخصيص المحتوى وفقاً لسلوك المستخدم واهتماماته. ورغم أن هذا التخصيص يعزز من سرعة الوصول إلى المعلومات، إلا أنه قد يؤدي في المقابل إلى تضييق نطاق التعرض لوجهات النظر المختلفة، من خلال خلق “فقاعات معلوماتية” تحد من التنوع وتؤثر في إدراك القضايا العامة.

وفي المقابل، تتيح البيئة الرقمية مساحة أوسع للمشاركة العامة، حيث أصبح الشباب فاعلين في تداول الأخبار والتفاعل معها، وليسوا مجرد متلقين. ويعزز هذا التوسع في المشاركة من حضورهم في النقاشات العامة، لكنه يظل مرهوناً بجودة البيئة المعلوماتية، وبمدى توافر محتوى موثوق يتيح نقاشاً مستنداً إلى حقائق دقيقة.

ويؤكد التقرير أن التعامل مع هذه التحولات يتطلب مقاربة شاملة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية: أولها تمكين الأفراد عبر تعزيز الثقافة الإعلامية، بما يساعدهم على تحليل المحتوى وتقييم مصادره؛ وثانيها تطوير سياسات تضمن شفافية المنصات الرقمية وآليات عمل خوارزمياتها وثالثها دعم المؤسسات الإعلامية المهنية لضمان استمرار إنتاج محتوى موثوق وتحليلات معمقة.

كما يشير إلى أن استهلاك الأخبار لم يعد دائماً فعلاً مقصوداً، إذ يحدث جزء كبير من التعرض للمحتوى الإخباري بشكل عرضي أثناء التصفح اليومي. هذا النمط يعني أن تشكيل الوعي قد يتم أحياناً دون إدراك مباشر من المستخدم، ما يعيد تعريف العلاقة بين الجمهور والخبر، ويطرح تساؤلات حول عمق الفهم ومستوى التحقق.

وفي سياق أوسع، يبرز التقرير أهمية هذه التحولات بالنسبة لصناعة القرار، إذ لم تعد مصادر الأخبار ثابتة أو محايدة، بل أصبحت ديناميكية وموجهة خوارزمياً. وينعكس ذلك على مستويات الثقة وعلى كيفية تفاعل الشباب مع القضايا السياسية والاجتماعية، خاصة في ظل الأزمات المتسارعة، حيث يصبح الوعي العام نتاجاً لتدفقات معلوماتية معقدة، تقودها خوارزميات صامتة لكنها شديدة التأثير.

وتمثل 'مجموعة تريندز' نموذجاً متقدماً للمؤسسات البحثية التي تجمع بين الرؤية الاستشرافية والعمق العلمي، حيث تأسست عام 2014 في أبوظبي لتكون منصة فكرية متخصصة في قراءة التحولات واستشراف المستقبل عبر برامج بحثية نوعية ومتعددة التخصصات.

وخلال سنوات وجيزة، نجحت المجموعة في ترسيخ حضورها كمركز معرفي مؤثر، مستفيدة من شبكة واسعة من الشراكات مع مراكز بحثية مرموقة ومنظمات دولية حكومية وغير حكومية، ما أتاح لها توظيف الخبرات الأكاديمية العالمية في إنتاج معرفة دقيقة وموثوقة.

وتواصل 'تريندز' دورها الحيوي في تعزيز الحوار العلمي وتبادل الخبرات من خلال تنظيم سلسلة من الفعاليات المتخصصة، تشمل المؤتمرات والندوات والمحاضرات وحلقات النقاش، التي تشكل فضاءات تفاعلية تجمع الباحثين والخبراء وصناع القرار.

كما ترفد الساحة البحثية بإصدارات متنوعة تغطي مجالات متعددة من المعرفة الإنسانية، بما يعكس التزامها بتقديم محتوى علمي رصين يسهم في دعم السياسات وصناعة القرار. وبفضل هذا الحراك المعرفي المتكامل، تكرّس 'مجموعة تريندز' مكانتها كجسر يربط بين البحث العلمي والتطبيق العملي، على المستويين الإقليمي والعالمي.