بعد 15 عاماً من خلافات فتح وحماس، هل يصمد اتفاق المُصالحة الفلسطينية؟
رام الله (الأراضي الفلسطينية) - تسود الأراضي الفلسطينية حالة من الشك من أن يُفضي اتفاق المُصالحة الموقع أمس في الجزائر، والذي شمل تعهداً بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، إلى أي تغيير ملموس بعد فشل وعود الانتخابات السابقة في تحقيق ذلك، خاصة وأنّ الوفود المُشاركة لم تتفق على تشكيل حكومة وحدة وطنية، وذلك وسط متغيرات إقليمية تمثّلت في تطبيع العلاقات التركية الإسرائيلية، وإعلان حركة حماس المصالحة مع النظام السوري.
ووقّعت فصائل فلسطينية متنافسة اتفاقا في الجزائر الخميس يهدف لحلّ خلافات قائمة منذ 15 عاما من خلال إجراء انتخابات خلال عام، وجاء بعد محادثات توسطت فيها الجزائر على مدى أشهر، لكن لا يبدو الفلسطينيون مُقتنعون خاصة بعد 3 اتفاقات فاشلة في 2011 و2012 و2014.
ويستهدف الاتفاق بشكل رئيس إنهاء الشقاق بين حركة فتح التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني محمود عباس وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وهو شقاق أدّى لانفصال الحكم في قطاع غزة عن الضفة الغربية وعرقل مساعي الفلسطينيين لإقامة دولتهم.
وأشاد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بالاتفاق وقال "اليوم يوم تاريخي، رجعت المياه إلى مجاريها".
ويرى مراقبون أنّ تبون إنما يُريد استغلال استضافة بلاده لقمة جامعة الدول العربية الشهر المقبل لترسيخ مكانة بلاده كقوة إقليمية بارزة، مؤكدين أنّ حقائق الواقع الفلسطيني المعقد تبتعد بكثير عن الشعارات البرّاقة التي صاغت بنود اتفاق المصالحة بين الفصائل الـ 14.
تاريخ طويل من التناحر والشقاق
وكان فوز حماس في الانتخابات التشريعية في 2006 قد أطلق شرارة الانقسام السياسي الفلسطيني، ولم تُجرَ انتخابات منذ ذلك الحين. وفي العام اللاحق، سيطرت الجماعة الإسلامية، الموالية لتنظيم الإخوان المسلمين، والتي تُعارض السلام مع إسرائيل على قطاع غزة بينما ظلت السلطة الفلسطينية التي يتزعمها عباس والمدعومة من الغرب ممسكة بمقاليد السلطة في الضفة الغربية.
وكان محمود عباس قد أصبح رئيساً للسلطة الفلسطينية في كانون الثاني/يناير 2005، إثر توليه رئاسة كلّ من منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح بعد وفاة الزعيم التاريخي ياسر عرفات.
في 25 كانون الثاني/يناير 2006، فازت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) التي كانت تشارك للمرة الأولى في عملية انتخابية، في الانتخابات التشريعية بعد عشر سنوات على هيمنة فتح.
في 28 آذار/مارس، تولّت حكومة إسماعيل هنية السلطة وعهدت بالمناصب الرئيسية إلى قادة الحركة.
وفي كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 2007 ثم في أيار/مايو من العام ذاته، جرت مواجهات عنيفة بين أنصار فتح وحماس في قطاع غزة.
ولاحقاً في 14 حزيران/يونيو، أقال رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس رئيس الوزراء اسماعيل هنية بعد أسبوع من العنف بين الحركتين خلّف أكثر من 110 قتلى، وأعلن حالة الطوارئ في قطاع غزة.
لكن في اليوم التالي تغلّبت حماس على القوات الموالية لفتح في غزة، في ما اعتبره عباس انقلاباً عسكرياً.
وردّاً على وصول حماس إلى السلطة، عززت إسرائيل حصارها للقطاع.
اتفاقات فاشلة
في 27 نيسان/أبريل 2011، وقّعت فتح وحماس اتفاقاً ينصّ على تشكيل حكومة انتقالية تُكلّف تنظيم انتخابات. وفي أيار/مايو، وقّعت كلّ المنظمات الفلسطينية الاتفاق بالأحرف الأولى. لكن تمّ تأجيل الاستحقاقات الانتخابية باستمرار.
في السادس من شباط/فبراير 2012، تفاهمت الحركتان على أن يكلّف عباس قيادة الحكومة الانتقالية، لكنّ هذا القرار الذي واجه معارضة داخل حماس، لم ينفذ.
في 23 نيسان/ابريل 2014، وقعت منظمة التحرير الفلسطينية التي تسيطر عليها حركة فتح اتفاق مصالحة مع حماس لوضع حد للانقسام السياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
في حزيران/يونيو، شكلت حكومة وحدة ضمت تكنوقراطيين من الطرفين، لكنّها لم تكن قادرة على ممارسة سلطتها في غزة. واتّهم عباس حركة حماس بالإبقاء على "حكومة موازية" في القطاع.
في تموز/يوليو وآب/اغسطس 2014، أظهر الطرفان موقفاً موحّداً بعد شنّ إسرائيل حربا استمرت 50 يوما على القطاع ردا على إطلاق صواريخ منه على أراضيها.
ومع ذلك وبعد أشهر، أخفقت حكومة الوحدة الوطنية.
وفي الاول من ايار/مايو 2017، اعلنت حماس عن توجهات سياسية جديدة في ميثاقها التأسيسي. وأوضحت انها تخوض معركة "سياسية" لا "دينية" مع اسرائيل. وقبلت فكرة اقامة دولة فلسطينية في المستقبل تقتصر على الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة.
في السادس من الشهر نفسه، انتخب اسماعيل هنية رئيسا للمكتب السياسي لحماس خلفا لخالد مشعل. ويمثل الرجلان خطا براغماتيا حيال اسرائيل.
مصالحة متعثرة
في تشرين الأول/أكتوبر 2017، وقعت حماس وفتح في القاهرة اتفاق مصالحة جديداً قبلت بموجبه الحركة الإسلامية التنازل عن الحكم في غزة لتتولاه السلطة الفلسطينية.
في 1 تشرين الثاني/نوفمبر، سلّمت حماس السيطرة على المعابر الحدودية مع إسرائيل ومصر للسلطة الفلسطينية.
لكنّ الخلافات عاودت الظهور، خاصة في ما يتعلق بمسألة إدارة الأمن في غزة. وفي 27 تشرين الثاني/نوفمبر كرّرت حماس رفضها تسليم سلاحها.
كما أخفقت الحركتان في تسوية المسألة الحاسمة المتعلقة بمصير عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين في غزة.
في كانون الثاني/يناير 2019، سحبت السلطة الفلسطينية موظفيها من معبر رفح الحدودي مع مصر تنديدا بـ"الممارسات الوحشية" لحركة حماس التي سيطرت مجددا على المعبر. وفي شباط/فبراير، سيطرت حماس على الجانب الفلسطيني من معبر البضائع الوحيد بين غزة وإسرائيل.
إرجاء الانتخابات
في 2020، تعهدت حماس وفتح تحقيق "الوحدة" لمواجهة مخطط إسرائيلي بضمّ أجزاء من الضفة الغربية المحتلة، ثم اتفقتا على إجراء انتخابات.
لكن قبل شهر من موعد الاقتراع المقرر في 22 أيار/مايو 2021، أرجأ عباس الانتخابات التشريعية إلى أجل غير مسمى في ظل غياب "ضمان" إجراء الاقتراع في القدس الشرقية التي احتلّتها إسرائيل وضمتها.
المبادرة الجزائرية
في كانون الأول/ديسمبر 2021، أطلق الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون مبادرة للمصالحة بين فتح وحماس، وتمكّن في أوائل تمّوز/يوليو 2022 من الجمع بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس وإسماعيل هنية في الجزائر العاصمة، في لقاء اعتبر "تاريخياً".
في 4 أيلول/سبتمبر 2022، أعدمت حماس لأول مرة منذ 2017 خمسة فلسطينيين بينهم اثنان بتهمة "التخابر" مع إسرائيل.
اندلعت اشتباكات بين الفلسطينيين في نابلس بالضفة الغربية في 20 أيلول/سبتمبر بعد عملية نادرة لقوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية لاعتقال مصعب اشتية القيادي الشاب في حركة حماس.
في 13 تشرين الأول/أكتوبر وقّعت الفصائل الفلسطينية، وفي مقدّمها فتح وحماس، في الجزائر العاصمة اتفاق مصالحة التزمت بموجبه إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في غضون عام، وذلك بينما تمّ حذف البند الأساسي الذي يدعو لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وهو ما أثار الشكوك حول مدى قوة وصمود الاتفاق.