بغداد وأربيل تتجاوزان خلاف تصدير النفط تحت ضغط الأزمة
بغداد/أربيل - توصلت الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان إلى اتفاق لاستئناف تصدير النفط عبر ميناء جيهان التركي، في خطوة تعكس محاولة مشتركة لاحتواء تداعيات أزمة طاقة خانقة فرضتها التطورات الإقليمية، وعلى رأسها تعطل الإمدادات نتيجة الحرب وإغلاق مضيق هرمز.
والاتفاق، الذي أعلن عنه وزير النفط العراقي حيان عبدالغني، ينص على استئناف تدفق النفط اعتبارا من صباح الأربعاء، بالتوازي مع تشكيل لجنة مشتركة للإشراف على العملية وضمان انسيابها.
ويمثل هذا التفاهم انفراجة نسبية في علاقة اتسمت بالتوتر خلال الفترة الماضية بين بغداد وأربيل، خاصة في ظل خلافات حول إدارة الموارد النفطية وآليات التصدير وتقاسم العائدات. وبموجب الاتفاق، ستُحوّل الإيرادات إلى الخزينة الاتحادية، وهو بند يعكس سعي بغداد لتعزيز سيطرتها على قطاع النفط، في حين تسعى حكومة الإقليم إلى الحفاظ على قدر من الاستقلالية الاقتصادية.
وأكد رئيس وزراء إقليم كردستان مسرور بارزاني استعداد الإقليم لتسهيل استئناف الصادرات "في أقرب وقت ممكن"، مشيرا إلى أن القرار يأتي في ظل "الظروف الاستثنائية" التي تمر بها البلاد. كما شدد على ضرورة توفير ضمانات لشركات النفط والغاز لاستئناف الإنتاج في بيئة آمنة، وهو مطلب يعكس مخاوف أربيل من التحديات الأمنية التي تهدد استقرار القطاع.
ولم يكن الاتفاق وليد لحظة توافق كامل، بل جاء بعد تصاعد الخلافات، خاصة إثر تطبيق بغداد نظاما جمركيا إلكترونيا جديدا يهدف إلى مراقبة الواردات والإيرادات، وهو ما اعتبرته حكومة الإقليم خطوة تقوض استقلالها المالي. كما تبادل الطرفان الاتهامات بشأن تعطيل استخدام خط الأنابيب، حيث اتهمت وزارة النفط العراقية أربيل بفرض شروط تعسفية، بينما ردت الأخيرة بأن بغداد لم تعالج التحديات الأمنية والاقتصادية التي تعيق استئناف التصدير.
في السياق ذاته، لعبت الضغوط الاقتصادية دورا حاسما في دفع الطرفين نحو الاتفاق، إذ تراجع إنتاج النفط في جنوب العراق بنسبة تصل إلى 70 بالمئة، ليبلغ نحو 1.3 مليون برميل يوميا، نتيجة إغلاق مضيق هرمز فعليا. وهذا الانخفاض الحاد وضع الاقتصاد العراقي أمام مخاطر كبيرة، خصوصا مع اعتماد البلاد شبه الكامل على عائدات النفط لتمويل الموازنة ورواتب الموظفين.
ودخل البرلمان العراقي على خط الأزمة، داعيا إلى إيجاد منافذ بديلة لتصدير النفط وتفادي تداعيات اقتصادية قد تمس الأمن المعيشي للمواطنين. كما شدد على ضرورة فرض الإدارة الاتحادية على جميع مراحل الإنتاج والنقل والتوزيع، في خطوة تعكس توجها نحو مركزية أكبر في إدارة الثروة النفطية.
ورغم أهمية استئناف التصدير عبر جيهان، فإن الكميات المتوقعة والتي تقدر بنحو 100 ألف برميل يوميا، تبقى محدودة مقارنة بحجم الخسائر التي تكبدها العراق، حيث فقد ما يقارب مليوني برميل يوميا من صادراته. وهو ما يعني أن الاتفاق يوفر "تنفسا مؤقتا" أكثر منه حلا جذريا للأزمة.
وظهرت انعكاسات الاتفاق سريعا في الأسواق العالمية، حيث تراجعت أسعار النفط قليلا بعد الإعلان عنه، في إشارة إلى تحسن نسبي في توقعات الإمدادات. ومع ذلك، تبقى المخاوف قائمة في ظل استمرار التوترات الإقليمية، ما يجعل استقرار سوق الطاقة رهينا بتطورات المشهد الجيوسياسي.
ويعكس اتفاق بغداد وأربيل توازنا دقيقا بين الحاجة الاقتصادية الملحة والخلافات السياسية المزمنة، حيث نجح الطرفان في تأجيل صراعهما لصالح مواجهة أزمة أكبر، دون أن يعني ذلك بالضرورة تسوية نهائية لجذور الخلاف بينهما.