تحليل: انعدام الامل وضعف اندماج «التائبين» سبب موجة العنف في الجزائر

الى متى؟

الجزائر – أرجع محلل وصحافي جزائري بارز العودة القوية لأعمال العنف إلى بلاده, في الفترة القليلة الماضية, إلى الأسلوب السياسي غير السليم, الذي تعاملت به الدولة الجزائرية مع الجماعات المسلحة, التي وضع كثير منها السلاح جانبا, وإلى غياب مناخ المصالحة الوطنية, الذي يساعد على محاصرة الأعمال العنيفة, عبر إشاعة الأمل, وإفساح المجال للحريات.
وقال الصحافي والمحلل احميدة العياشي, في مقال نشرته جريدة «اليوم» الجزائرية واحتل قسما بارزا من صفحتها الأولى, إن المشرفين على سياسة الوئام المدني لم يراعوا الخلفيات والمشاعر الدينية, التي كانت محركا للشباب, الذين انخرطوا في العمل المسلح المعارض للسلطة, وأنهم وصفوهم بـ"التائبين", وهو ما مثل نوعا من التهوين منهم وتحقرهم.
كما أشار إلى أن الذين وضعوا السلاح لم يتم إعادتهم إلى مراكز عملهم, ولم يتم التفكير بشكل جدي في خلق مراكز للاعتناء بهم, وهو ما جعل الكثير من أولئك المسلحين السابقين يشعرون بأنهم صاروا غرباء على المجتمع, وغير قادرين على التأقلم معه مجددا, وأنه جرى خداعهم بوعود لم تجد طريقها إلى التنفيذ.
واعتبر الصحافي العياشي أن الظروف الصعبة التي واجهها المسلحون النازلون من الجبال, والعائدون إلى أحضان المجتمع, جعلت عددا منهم يعودون مجددا إلى الجبال, كما أنها لم تشجع من هم في الجبال على النزول منها, والانخراط في العمل السلمي.
وقال العياشي إن المسلحين السابقين صاروا يعيشون بالتوازي مع المجتمع. وأن القلق الذي انتابهم بعد نزولهم من الجبال, وتهميش المجتمع لهم, جعلهم يبحثون عن هوية مشتركة, وجدوها في الحياة مع بعضهم البعض, وصارت فيها أيام الجبل ذاكرة مشتركة, وأنهم سعوا إلى إقامة نوع من المجتمع المنغلق, القائم على التضامن الذاتي, والاتجاه نحو أشكال بسيطة من التجارة, حتى تكون ضمانا لكرامتهم.
وقال إن حالات اليأس عند بعضهم, ممن لم يتمكنوا من أن يكونوا جماعة قائمة على التضامن جعلتهم يعودون مجددا إلى الجبال. وذكر أن مائة على الأقل من هؤلاء قد حملت السلاح مجددا, وعادت للتمرد على السلطة.
وذكر الصحافي العياشي أن الجماعات المسلحة عرفت في فترة من الزمن أزمة وانشقاقات وصراعات داخلية أضعفتها كثيرا, مما جعل الأجهزة الأمنية تتحدث بشكل انتصاروي, وأنها تمكنت من القضاء على "الإرهاب". لكنه أشار إلى أن غياب المعالجة السياسية لموضوع العنف, وتضييق السلطة الخناق على دعاة المصالحة الوطنية, وتهميشهم, سرعان ما أدى إلى عودة النشاط بقوة إلى تلك الجماعات, التي ضعفت مرحليا.
وقال العياشي إن المناخ السياسي, الذي أخلت فيه السلطة بوعودها للمسلحين السابقين, والذي تفجرت فيه أزمة مستمرة منذ أكثر من عام في منطقة القبائل, سمح لبعض الجماعات, وخاصة الجماعة السلفية للدعوة والقتال, التي يقودها حسن حطاب, والتي تستهدف العسكريين من دون المدنيين, بأن تعيد الاعتبار لنفسها, وأن تنجح في استقطاب عناصر جديدة لتنظيمها, مؤكدا أن أحداث منطقة القبائل, والغضب الذي رافقها, مكّن جماعة حطاب من تنقية سجلها السياسي والشعبي, وأوجد العديد من المتعاطفين معها, قائلا إن عودة الجماعات المسلحة للضرب بقوة في مناطق عديدة يكذب بشكل قاطع تصريحات الفريق محمد العماري رئيس أركان الجيش الجزائري, الذي تحدث عن انهزام "الإرهاب".
ولاحظ العياشي ظهور مسلحين جدد, غير معروفين لدى الأجهزة الأمنية في الفترة القليلة الماضية. وقال عنهم إنهم "شباب يعيشون في أحياء لا يرقى إليها الشك, يتميزون بالذكاء والطموح والكراهية لكل ما يرمز للحكم والدولة, ويتسمون بنقمة على المجتمع".
وتوقع أن تتسع شبكة هؤلاء المسلحين الجدد, وأن يمتد نشاطهم, إلى أكثر من جهة, قائلا إنهم يستغلون عدم معرفة الأمن بهم لتسديد ضربات استعراضية, وأن يساهموا في إعادة بناء قواعد الجماعات المسلحة, التي أنهكتها الاختلافات والصراعات بين قادتها, وضربات الأجهزة الأمنية لها.
واعتبر العياشي أنه بدلا من "أن يكون قانون الوئام المدني مقدمة لسياسة مصالحة, قائمة على الشفافية والحوار, انغلق على نفسه, وأفرغ من مضمون سياسي متفتح, وتحول إلى شعار يقوم أساسا على التشكيك, هدفه الوحيد إعادة إنتاج أحادية جديدة, ضمن واجهة تعددية", وهو ما اعتبره المحلل العياشي سببا جوهريا لفشل القانون, واختفاء المصالحة الوطنية, التي وعد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الجزائريين بها, الأمر الذي وفر مناخا مناسبا لعودة العمليات المسلحة بقوة للجزائر.
وقال إن العناصر الملتحقة حديثا بالعمل المسلح, بعد خبو بريق قانون الوئام المدني, تمكنت "من إعادة الصورة الأولى (الجذابة شعبيا), التي ظهرت بها العناصر المسلحة في بدايات التسعينيات, خاصة عام 1993, إلى الأذهان", معتبرا أن ذلك سيساعد الجماعات المسلحة على اعتماد تكتيك الجماعات الصغيرة العدد, الضاربة بقوة, بدلا من الجماعات كثيرة العدد, وأنها ستركز على الضربات الاستعراضية, التي تكون آثارها خطيرة, حسب قوله. (قدس برس)