تحليل: نفط اوبك لا يزال قادرا على اصابة الاقتصاد الاميركي بالشلل
بقلم محمود القصاص
اثار الحديث عن استخدام سلاح النفط كثيرا من الجدل في الاوساط الاعلامية والسياسية العربية، بين مؤيد يرى ضرورة استخدام النفط للتأثير على القرار الاميركي، ومن ثم التأثير على مجريات الصراع العربي الاسرائيلي، ومعارض يرى ان الظروف القائمة حاليا لا تسمح بتكرار تجربة استخدام سلاح النفط، وان استخدامه لن يؤدي سوى للاضرار بالدول العربية نفسها.
وكان الجدل العربي حول هذا الامر في اغلبه جدلا سياسيا وانفعاليا دون التطرق لحالة الاقتصاد الاميركي في الوقت الراهن، ومدى اعتماده على نفط الشرق الاوسط حسبما توضح البيانات والدراسات الاميركية ذاتها، وقدرة هذا الاقتصاد على التحول لبدائل اخرى.
وتشير دراسة للمجلس الاميركي لاقتصاديات الطاقة الى ان واردات الولايات المتحدة من النفط تضاعفت في السنوات الـ 15 الاخيرة، وانها تجاوزت حجم الانتاج المحلي، وان خطط زيادة كفاءة استخدام الطاقة لم تسفر سوى عن تراجع هذه الكفاءة على العكس مما كان مرجوا.
ورغم ان عدد سكان الولايات المتحدة لا يتجاوز 5% من اجمالي سكان كوكبنا، الا انهم يستهلكون 25% من نفط العالم، الامر الذي تضطر معه واشنطن لاستيراد عشرة ملايين برميل من النفط يوميا تبلغ قيمتها خمسين مليار دولار سنويا وفق اسعار عام 2000.
وتوضح الدراسات ان نسبة واردات النفط الى اجمالي الاستهلاك الاميركي ارتفعت بشكل مستمر من 22% عام 1970 الى 43% عام 1980 ثم الى 51% عام 2001. ومما يزيد الامر سوءا بالنسبة لواشنطن ان الولايات المتحدة لا تمتلك سوى 2% من احتياطيات العالم من النفط، ولهذا يتوقع الباحثون، على اساس اتجاهات النمو الحالية، ان ترتفع نسبة الواردات الاميركية من النفط الى 66% من اجمالي الاستهلاك بحلول عام 2015.
اذن حاجة اميركا للنفط شديدة وملحة، كما انها تتزايد رغم كل محاولات الاعتماد على مصادر الطاقة الاخرى، ورغم كل محاولات تحسين كفاءة استخدام الوقود التي لم تجد شيئا في السنوات الاخيرة.
هذا عن اهمية النفط لاميركا بشكل عام، اما نفط اوبك فهو يشكل حاليا نسبة 26% من واردات النفط الاميركية حسب بيانات اوردتها مجلة "بيزنس ويك" الاميركية. وحاولت الولايات المتحدة ما وسعها الجهد تخفيض اعتمادها على نفط اوبك بعد استخدام سلاح البترول عام 1973، الا ان جهودها لم تحقق كل ما كان مرجوا. فقد تمكنت واشنطن من تخفيض نسبة وارداتها من اوبك من 33% عام 1975 الى 13% عام 1985. ويرجع ذلك اساسا الى ارتفاع انتاجية قطاع النفط الاميركي في هذه الفترة. لكن مع وصول جهود رفع الانتاجية لاقصى مدى متاح من جهة، ومع زيادة واردات النفط الاميركية من جهة اخرى، عادت واشنطن تدق ابواب اوبك، وعادت وارداتها من اوبك للارتفاع بشكل مذهل بنسبة 50% في الفترة ما بين عامي 1985 و1989. واستمر هذا الاتجاه الصعودي منذ منتصف الثمانينات وحتى الآن لتصل الواردات الاميركية من اوبك حوالي 26%. وهو الوضع الذي يثير انزعاجا مستمرا في اوساط صنع القرار الاميركي، اذ يرى الساسة الاميركيون على اختلاف اتجاهاتهم حاجة اميركا لتقليل اعتمادها على الشرق الاوسط بكل ما فيه من مشكلات.
ولكي تكتمل الصورة عن مدى اهمية نفط الشرق الاوسط بالنسبة لاميركا، لابد من القاء نظرة على البدائل الاخرى التي يطالب السياسيون الاميركيون بالاعتماد عليها.
فاولى هذه البدائل هي نفط بحر قزوين الذي يعد خليجا ثانيا بما يحمله من ثروات بترولية هائلة، والذي يرى كثيرون انه كان الدافع الاول للحملة الاميركية في افغانستان.
لكن مشكلة نفط بحر قزوين انه مرتبط بمشكلات اصعب واكثر تعقيدا من الوضع في الخليج العربي. فمد خطوط انابيب النفط من بحر قزوين يتطلب المرور اما بممرات جنوبية عبر ايران او باكستان او افغانستان، وهي اراض غير محبذة استراتيجيا بالنسبة لاميركا، او بمنافذ غربية عبر تركيا وروسيا وهو ما يضع ضغوط سياسية واستراتيجية على واشنطن لا يبدو ان الولايات المتحدة مستعدة للتجاوب معها في الوقت الراهن. ولن يرحب الكثير من السياسيين الاميركيين بوضع مصادر نفط بلادهم تحت السيطرة الروسية التي يكن القوميون بها عداء شديدا لكل ما هو اميركي.
وعلى العكس من ذلك فان مصادر نفط الشرق الاوسط تحاذي المياه الدولية. وتعد شبكة الانابيب الناقلة والمرافئ من افضل المنشآت النفطية تكاملا بالاضافة الى مرورها او وقوعها ضمن مناطق نفوذ اميركية تقليدية.
كما ان الولايات المتحدة لا تنظر بعين الارتياح للاستثمار في آسيا الوسطى لاعتقادها ان الصين ستكون المستفيد الاول من اقامة البنية التحتية لهذه المنطقة خصوصا اذا استمرت معدلات النمو الاقتصادي فيها على ما هي عليه الآن.
وليس من قبيل المبالغة القول ان نار صحراء الشرق الاوسط، بكل مشكلاتها، افضل من جنة بحر قزوين.
الخيار الآخر الذي يطرحه بوش بقوة هذه الفترة هو الاتجاه الى استخراج البترول من منطقة المحمية الطبيعية في آلاسكا. ويرى خبراء البترول الاميركيون ان آلاسكا بها من 6 الى 16 مليار برميل من احتياطيات النفط. غير ان بوش يواجه معارضة شديدة من جماعات حماية البيئة التي ترفض تدمير الحياة الطبيعية في آلاسكا لاستخراج النفط. بل ان جيب بوش، شقيق الرئيس الاميركي وحاكم فلوريدا، حارب بشدة فكرة تدمير البيئة لافساح الطريق امام حفارات البترول. وعلاوة على ذلك فان تكاليف استخراج نفط آلاسكا مرتفعة، وهو ما ل اترحب به شركات النفط الاميركية.
وبشكل عام ثمة تعارض ظاهر بين ما تريده الشركات الاميركية وما تريده الادارة الاميركية فيما يتعلق باستخراج البترول. فالشركات تريد استخراج البترول باقل تكلفة ممكنة، وهو الامر المتاح في الدول العربية. بينما تريد الادارة الابتعاد عن هموم الشرق الاوسط والاتجاه الى آلاسكا او افريقيا، ضاربة بعرض الحائط تذمر الشركات التي ترى في تكلفة استخراج البترول الباهضة عاملا محبطا لا يمكنها تجاوزه بسهولة.
ويبدو ان الظروف تحالفت لكي تجعل خيار نفط الشرق الاوسط هو افضل خيار للشركات الاميركية والمستهلك الاميركي، لكنه الخيار المزعج بالنسبة للسياسيين الاميركيين، خاصة وان 70% من النفط الاميركي يستخدم في النقل نظرا لاعتماد حركة النقل داخل الولايات المتحدة على الشاحنات العملاقة لا على خطوط السكك الحديدية مثل دول اخرى، وحرص الاميركيين على اقتناء سيارات شخصية ذات محركات كبيرة. وهو ما يعني ان أي ارتفاع في اسعار النفط سيشعر به المواطن الاميركي على الفور في صورة ارتفاع كبير ومباشر في الاسعار، وسيطالب السياسيين بالتحرك لمواجهته، ناهيك عن الاثر النفسي الذي يمكن ان يتركه ارتفاع الاسعار على سير الاقتصاد الاميركي الذي لم يخرج بعد من حالة الانكماش التي دخلها منذ اكثر من عام.
اما هذه المعطيات فانه من الواضح قدرة الدول العربية على استخدام النفط لتحقيق اهدافها السياسية. ولكن ذلك لا يتحقق الا بشرط ان تتعاون كل دول اوبك لتحقيق هذا الهدف، وان يكون ذلك في اطار مجموعة متكاملة من الخطوات السياسية والاقتصادية الهادفة للتأثير على القرار الاميركي.
محمود القصاص - صحفي مصري