'تريندز' تستشرف مآلات حرب إيران وفرص التسوية

الحوار الإستراتيجي الخامس يؤكد بما شهده من ثراء في الطرح وتنوع في الرؤى، الدور الحيوي الذي تضطلع به مجموعة 'تريندز' للبحوث والاستشارات في تحليل التحولات الجيوسياسية واستشراف مستقبل المنطقة.

أبوظبي – أجمع الخبراء والمحللون المشاركون في حوار 'تريندز' الإستراتيجي الخامس على أن دول الخليج العربية، وفي مقدمتها دولة الإمارات، أظهرت قدرة عالية على التعامل مع العدوان الإيراني بحكمة وثبات، ضمن حقها في الدفاع عن النفس وصون السيادة والأجواء، دون الانجرار إلى حرب شاملة.

وأكدوا أن دول الخليج أثبتت قدرتها في الدفاع عن نفسها، حيث اعتمدت على قدراتها الذاتية في التصدي للعدوان الإيراني، مشيرين إلى أن قرارها تبني موقف "المدافع النشط" يمثل خياراً صحيحاً وحكيماً، خاصة أن الدخول في الحرب خطوة خطيرة ستكون لها تداعيات سلبية على المنطقة.

ونظمت مجموعة 'تريندز' للبحوث والاستشارات حوارها الإستراتيجي الخامس تحت عنوان "الحرب في الشرق الأوسط.. سيناريوهات وتطورات التصعيد"، عبر مساحة منصة 'إكس'، في فعالية تفاعلية جمعت نخبة من الخبراء والباحثين والمحللين، وشهدت مشاركة واسعة ونقاشات معمقة حول مآلات الحرب واحتمالات نهاياتها بين مسارات التصعيد العسكري والفرص الدبلوماسية الممكنة.

وأكد المشاركون أن الحلول السياسية والدبلوماسية لا تزال قائمة رغم حدة التصعيد، في ظل تحركات دولية وإقليمية تسعى إلى احتواء الأزمة ووقف الحرب، مشددين على أن القرار النهائي في هذا السياق يرتبط بالداخل الإيراني، أكثر من ارتباطه بمواقف الولايات المتحدة أو إسرائيل، في ظل هيمنة الحرس الثوري على القرار العسكري.

وأشاروا إلى أن الحرب وصلت عملياً إلى مراحلها الأخيرة، مع انتقال التركيز إلى مرحلة ما بعد الصراع، التي تتطلب بناء نظام أمني إقليمي مستدام يضمن عدم تكرار الاعتداءات، ويحافظ على استقرار الممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي برز كعنوان رئيسي للمرحلة المقبلة، إلى جانب قضايا الجزر الإستراتيجية ومعادلات النفوذ والسيطرة.

وأوضح الدكتور محمد عبدالله العلي الرئيس التنفيذي لمجموعة 'تريندز'، أن اختيار تنظيم الحوار عبر منصة 'إكس' يعكس طبيعة المرحلة المتسارعة، حيث تتسع دائرة التفاعل ويزداد الطلب على النقاشات المباشرة، مؤكداً حرص 'تريندز' على نقل الحوارات الإستراتيجية من الإطار التقليدي المغلق إلى فضاءات مفتوحة تتيح تفاعلاً أوسع مع الجمهور داخل المنطقة وخارجها.

وأضاف أن الحوار جمع نخبة متنوعة من الأكاديميين والباحثين والإعلاميين، بهدف تقديم رؤى متعددة الزوايا حول تعقيدات المشهد، مشدداً على أن فهم الصراعات المعاصرة يتطلب تكاملاً بين التحليل السياسي والرؤية الإستراتيجية والخبرة البحثية.

من جانبه، استعرض فهد المهري الباحث الرئيسي في 'تريندز'، الأبعاد العالمية للحرب، مشيراً إلى استهداف 11 دولة بشكل مباشر، وانخراط أكثر من 40 دولة في تحالف لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من استهلاك النفط العالمي، لافتاً إلى أن تكاليف التأمين البحري ارتفعت بنسبة 400 في المئة، ما انعكس على أسعار الشحن والسلع الأساسية عالمياً.

وأكد المهري أن الحرب لم تعد محصورة في نطاق جغرافي، بل تحولت إلى أزمة عالمية تمس أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والاستقرار الاقتصادي، ما يجعل استشراف مستقبلها ضرورة إستراتيجية ملحة.

وأوضح الدكتور فهد الشليمي رئيس المنتدى الخليجي للأمن والسلام، أن الحرب تظل في جوهرها أداة سياسية لفرض التفاوض، مشيراً إلى أن نموذج "الدفاع النشط" الذي تبنته دول الخليج يعكس توازناً دقيقاً بين الردع وتجنب التصعيد، مضيفاً أن التجربة أثبتت قدرة دول الخليج على الصمود والتعامل مع التهديدات دون انهيار داخلي، مشيرا إلى أن التهديد بإغلاق مضيق هرمز يتم عبر "الإزعاج العملياتي" وليس الإغلاق الكامل، مؤكداً وجود حراك دبلوماسي محتمل، لكنه يظل مرهوناً بمدى إدراك إيران لحجم خسائرها.

من جهته، أكد الإعلامي والكاتب السياسي نديم قطيش أن إستراتيجية الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقوم على الجمع بين التصعيد العسكري والدبلوماسية في إطار ضغط مركب، يهدف إلى فرض تسوية سياسية على إيران تشمل برنامجها النووي وأذرعها الإقليمية.

وأوضح أن التصعيد العسكري ليس هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لإعادة تشكيل الواقع التفاوضي، لافتاً إلى أن دول الخليج بدأت بالفعل التفكير في مرحلة ما بعد الحرب، خاصة في ما يتعلق ببناء نظام أمني إقليمي مستدام.

وفي السياق ذاته، شدد الكاتب محمد الحمادي على أن دول الخليج أثبتت تماسكها وقدرتها على إدارة الأزمات، معتبرا أن هذه الحرب شكلت اختباراً حقيقياً لقدراتها العسكرية والإعلامية، وأسهمت في تعزيز موقعها كقوة إقليمية فاعلة، مضيفا أن الهدف الأساسي يتمثل في منع تكرار الاعتداءات الإيرانية، من خلال معالجة جذور التهديد.

كما لفت إلى أن استهداف البنية التحتية المدنية يعزز من المطالبة بالتعويضات بعد انتهاء الحرب، مؤكداً أن دول الخليج تسعى إلى احتواء الصراع، مع التمييز بين الشعب الإيراني والنظام السياسي.

وقدم الكاتب والمحلل عبدالله الجنيد قراءة إستراتيجية للصراع، موضحاً أن المشهد يتشكل من ثلاث قوى رئيسية هي الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، ولكل منها أهداف مختلفة، داعياً إلى التركيز على مخرجات الحرب وضمان عدم تكرارها.

وأكد أن دول الخليج أثبتت قدرتها على التكيف مع التهديدات، بل والانتقال إلى خيارات أكثر تقدماً عند الضرورة، مشدداً على أهمية أن تكون طرفاً فاعلاً في أي مفاوضات مستقبلية، خاصة في ما يتعلق بمضيق هرمز.

وفي مداخلة مهمة، أشار الباحث والإعلامي الدكتور سليمان الهتلان إلى أن الحرب كشفت عن نقاط قوة خليجية، أبرزها الثقة في القدرات الدفاعية وإعادة تقييم التحالفات على أساس المصالح الواقعية، محذراً من استمرار حالة عدم الاستقرار في ظل جذور الصراعات الإقليمية.

وطرح تساؤلات حول أهداف الولايات المتحدة وطبيعة مراكز القرار داخل إيران، مؤكداً أن طهران لم تعد تمثل تهديداً وجودياً كما كانت، لكنها ستظل مصدر إزعاج إستراتيجي.

بدوره، اعتبر الكاتب والمحلل محمد خلفان الصوافي أن مضيق هرمز يمثل نقطة ارتكاز مركزية في الصراع، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لن تسمح بإغلاقه، وأن الحشد العسكري الحالي يعكس استعداداً للحسم، محذراً من تهميش دور دول الخليج في إدارة هذا الممر الحيوي.

أما الباحثة شما القطبة، فأوضحت أن التناقض في التصريحات الأميركية والإيرانية يعكس توظيفاً سياسياً موجهاً إلى الداخل، حيث يسعى كل طرف إلى إدارة صورته أمام جمهوره، مؤكدة أن فهم الصراع يتطلب قراءة ما وراء الخطاب المعلن.

ويؤكد هذا الحوار الإستراتيجي، بما شهده من ثراء في الطرح وتنوع في الرؤى، الدور الحيوي الذي تضطلع به مجموعة 'تريندز' للبحوث والاستشارات في تحليل التحولات الجيوسياسية واستشراف مستقبل المنطقة، فمنذ تأسيسها عام 2014 في أبوظبي، رسخت 'تريندز' مكانتها كمؤسسة بحثية مستقلة، عبر شبكة واسعة من الشراكات الدولية والبرامج البحثية المتخصصة، وإسهامها في إنتاج المعرفة ودعم صناع القرار.

كما تواصل 'تريندز' دورها في تنظيم الفعاليات العلمية وإصدار الدراسات التي تغطي مختلف مجالات المعرفة، بما يعزز الحوار العالمي حول القضايا الراهنة.

ويظهر الحوار الإستراتيجي الخامس بتنظيم من 'تريندز' أن الشرق الأوسط يقف أمام مفترق طرق حاسم، حيث تتقاطع مسارات التصعيد مع فرص التهدئة، فيما يبقى مستقبل المنطقة مرهوناً بقدرة الأطراف على تحويل موازين القوة إلى تسويات سياسية مستدامة، تضمن الأمن والاستقرار وتجنب المنطقة كلفة صراعات مفتوحة على كل الاحتمالات.