تعاون أمني مع بغداد يُعيد دواعش أتراك إلى أنقرة

تقديرات دبلوماسية تشير إلى أن بغداد استقبلت أكثر من 5700 معتقل من عناصر داعش خلال الفترة الأخيرة، ما وضعها أمام تحديات أمنية وقضائية كبيرة تتطلب تعاونا دوليا لتقاسم المسؤولية.

جنيف - وافقت أنقرة على تسلم مواطنين أتراك من بين آلاف المعتقلين المنتمين إلى تنظيم الدولة الإسلامية، في خطوة تعكس تحولا في تعامل الدول مع ملف المقاتلين الأجانب بعد سنوات من التعقيد القانوني والسياسي، فيما جاء الإعلان على لسان فؤاد حسين وزير الخارجية نائب رئيس مجلس الوزراء العراقي الذي أوضح أن الاتفاق تم خلال مباحثات مع مسؤولين دوليين، بينهم المبعوث الأميركي توم براك، في إطار تنسيق أوسع بشأن مصير المعتقلين الذين نُقلوا إلى العراق من سوريا بعد إغلاق مراكز احتجاز كانت تديرها قوات محلية.

وتأتي هذه الخطوة في سياق عملية نقل واسعة جرت بالتنسيق مع الولايات المتحدة، عقب انسحاب القوات الكردية من مواقع احتجاز ظلت تضم مشتبهين بالانتماء إلى التنظيم المتطرف لنحو عقد، في حين تشير تقديرات دبلوماسية إلى أن بغداد استقبلت أكثر من 5700 معتقل خلال الفترة الأخيرة، ما وضعها أمام تحديات أمنية وقضائية كبيرة تتطلب تعاونا دوليا لتقاسم المسؤولية.

وأكدت الحكومة العراقية أنها ستتولى محاكمة المعتقلين وفق قوانين مكافحة الإرهاب المحلية، لكنها شددت في الوقت ذاته على ضرورة أن تستعيد الدول رعاياها لمحاكمتهم داخل أراضيها، معتبرة أن هذا الخيار أكثر انسجاما مع الالتزامات القانونية الدولية. ويعكس الموقف العراقي رغبة في تقليل العبء القضائي والأمني الناتج عن احتجاز آلاف المشتبه بهم من جنسيات مختلفة.

وأوضح مصدر دبلوماسي تركي أن بلاده تثمّن جهود بغداد في نقل المعتقلين، مشيرا إلى احتمال وجود مواطنين أتراك بينهم، مضيفا أن أنقرة مستعدة للتعاون مع السلطات العراقية بشأنهم، في إشارة إلى استعدادها لتحمل مسؤولية رعاياها، وهو موقف نادر نسبيا بين الدول التي ينتمي إليها مقاتلون أجانب، إذ تتردد حكومات كثيرة في استعادتهم بسبب مخاوف أمنية وسياسية داخلية.

وفي بيان أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، جدد وزير الخارجية العراقي دعوة المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، محذرا من أن ترك هذا الملف دون معالجة جماعية قد يخلق بؤرا توتر جديدة ويتيح فرصا لعودة نشاط التنظيمات المتشددة. وأكد أن محاكمة المتهمين في بلدانهم الأصلية تسهم في تحقيق العدالة وتمنع تحول المخيمات ومراكز الاحتجاز إلى نقاط تجنيد أو تطرف.

وتاريخيا، شكّل ملف المقاتلين الأجانب أحد أعقد تبعات الحرب على تنظيم داعش، الذي سيطر بين عامي 2014 و2017 على مساحات واسعة في العراق وسوريا وأقام ما سماه "دولة الخلافة"، مستقطبا آلاف المقاتلين من مختلف دول العالم. وبعد انهيار سيطرته الإقليمية نتيجة حملات عسكرية شنتها حكومات المنطقة بدعم تحالف دولي، بقيت قضية المعتقلين عالقة دون حل نهائي، إذ تباينت مواقف الدول بين الاستعادة والمحاكمة المحلية أو تركهم في أماكن احتجازهم.

وقد يشكل الاتفاق العراقي التركي نموذجا يمكن أن يشجع دولا أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة، خاصة إذا أثبت نجاحه من حيث الإجراءات القانونية والتنسيق الأمني. ويرى مراقبون أن أي تقدم في هذا الملف سيعزز الاستقرار الإقليمي، لأن معالجة أوضاع المعتقلين تقلل من احتمالات إعادة تشكل شبكات متشددة أو استغلالهم كورقة ضغط سياسية.

وتمثل موافقة تركيا على تسلم رعاياها تحولا تدريجيا في المواقف الدولية تجاه قضية المقاتلين الأجانب وتؤشر إلى أن الحلول الجماعية والتعاون القضائي قد تكون السبيل الوحيد لإغلاق أحد أكثر ملفات مرحلة ما بعد داعش تعقيدا.