'تقرير إلى الهدهد': قراءة في الذاكرة التاريخية
الرباط - في إطار المبادرات الثقافية التي يعززها نادي القلم المغربي، وبالتنسيق مع جمعية آباء وأولياء تلاميذ ثانوية عثمان بن عفان بالكارة، احتضنت المؤسسة التعليمية، الجمعة، لقاءً ثقافيًا متميزًا حول رواية "تقرير إلى الهدهد" للكاتب المغربي شعيب حليفي، تحت عنوان "الرواية والذاكرة المنسية".
اللقاء حضره جمهور واسع ومتنوع، شمل تلاميذًا برفقة آبائهم وأمهاتهم، إلى جانب فعاليات ثقافية ومثقفين وأعيان المنطقة، ما أعطى للمناسبة بعدًا مجتمعيًا وثقافيًا متكاملًا. وقد أشرفت الأستاذة شيماء طاهر على تنسيق أشغال اللقاء، الذي افتتح بكلمات ترحيبية لكل من المؤسسة المستضيفة وجمعية آباء التلاميذ، قبل أن يتحدث باسم نادي القلم المغربي الأستاذ الشريشي المعاشي، مؤكدًا على أهمية هذه المبادرة في فتح نافذة على تجربة روائية مغربية ارتبطت بالذاكرة الشعبية والمجال المحلي، خصوصًا مجال الشاوية، الذي جسده الكاتب في أعماله بروح ثرية تتنفس المقاومة والبطولات والتاريخ المنسي.
وأشار المعاشي إلى أن رواية تقرير إلى الهدهد تأتي لتؤكد هذا المنحى الإبداعي، بانفتاحها الجمالي على تخييل يلامس واقع الشاوية وأسئلتها المرتبطة بالذاكرة والتاريخ والهوية، في محاولة لإعادة بناء ما تم تهميشه أو إقصاؤه من السرديات الرسمية، مضيفا أن الرواية تمثل "تاريخ الظل"، تمنح الصوت لمن لم تُنصفهم الوثائق والأرشيفات، وتحوّل الكتابة إلى فعل مقاومة ضد النسيان، بينما تتحول الرواية نفسها إلى أرشيف موازٍ نابض بالحياة.
تلت ذلك مداخلات كل من الأساتذة عبدالقادر سبيلون ونور الدين فرديثم ومحمد معروف الدفالي، الذين قدموا قراءات تحليلية للرواية من منظورات الذاكرة والتخييل والتاريخ. فقد سلطوا الضوء على كيفية استثمار الرواية للمخيال الشعبي والرموز والأساطير والأصوات المنسية، وإعادة ترتيب الواقع عبر النص الروائي، ليصبح مساحة لاستعادة ما تكسّر في الوعي الجماعي أو تم طمسه في سياق التحولات التاريخية والاجتماعية. كما بحثت هذه المقاربات في كيفية تحويل أحداث مثل "أحداث مولاي بوعزة" إلى نص قادر على مساءلة الصمت والتاريخ والخيال، بما يسهم في فهم الذات المغربية في تداخلها بين الغموض والتأويل الواحد.
وفي كلمته، ركز شعيب حليفي على دور الثقافة والمثقف في المجتمع، مؤكدًا أن الرواية ليست آلة لتدوير التاريخ أو إعادة عرض سير الأعلام، بل هي جنس أدبي يمتص التاريخ ويصنع تخييلاً خاصًا يلتقط روح المجتمع في كل أزمنته، حيث تختلط الأحلام بالأوهام، ويصوغ الفن الروائي شكله من عناصر صغيرة ولامرئية لكنها حاسمة. كما تناول الكاتب أهمية ذاكرة الشاوية وما تزخر به من حيوات تلهم الخيال وتغذي السرد الأدبي.
اختتم اللقاء بتكريم الكاتب شعيب حليفي، حيث قدم له الفنان التشكيلي عبدالقادر العسري لوحة فنية هدية، وتوج الحفل بتوزيع جوائز على المتفوقين والمتفوقات من تلاميذ المؤسسة، في أجواء بهيجة عكست التلاقي بين الثقافة والتعليم والفن.
هذا اللقاء أكّد أن الرواية المغربية اليوم ليست مجرد سرد للأحداث، بل منصة لإحياء الذاكرة المنسية وإعادة رسم الهوية الثقافية بأسلوب فني متقن، يجعل من الكتابة الأدبية مرآة تعكس عمق المجتمع وتاريخاته المجهولة والمهمشة.



