تقرير بريطاني: طفرة النفط الليبي تهدد بتقوية الميليشيات

صحيفة 'فايننشال تايمز' البريطانية تشير إلى أن غياب الرقابة المالية الموحدة يعقد مسارات تتبع إنفاق الإيرادات الهامة التي حققتها ليبيا من تصدير النفط.

طرابلس - سجلت صادرات النفط الليبية طفرة غير مسبوقة، مدفوعة بارتفاع الطلب العالمي وقفزات الأسعار التي أعقبت أزمة مضيق هرمز والتصعيد العسكري في المنطقة. وفي حين ساهمت هذه التدفقات في تقليص العجز المالي وزيادة في احتياطيات النقد الأجنبي، إلا أن تقارير دولية حذرت من تحول هذه الإيرادات إلى "وقود" يغذي صراعات النفوذ، في ظل بيئة أمنية تسيطر فيها الميليشيات على مفاصل القرار المالي.

وأدى تعطل الملاحة في هرمز إلى نقص حاد في الإمدادات العالمية، مما دفع المشترين الدوليين، لا سيما في الاتحاد الأوروبي، إلى البحث عن بدائل جغرافية آمنة وقريبة. ووجدت ليبيا نفسها في موقع استراتيجي مثالي؛ إذ يمثل خامها الخفيف، المطلوب بشدة في المصافي الأوروبية، تعويضاً حيوياً لغياب الإمدادات الشرق أوسطية، ما جعل من المنشآت النفطية الليبية "رئة" بديلة للاقتصاد الدولي المتعطش للطاقة.

وفي هذا السياق، أشارت صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية إلى أن المكاسب الهائلة التي تحصدها ليبيا قد تتحول إلى أداة تستخدمها الفصائل المسلحة لترسيخ سيطرتها على المؤسسات المالية والحيوية، مضيفة أن هذه الميليشيات ترى في هذه الوفرة المالية فرصة سانحة لتعزيز ترسانتها العسكرية، وتوسيع شبكات "شراء الولاءات"، مما يكرس حالة الجمود السياسي ويجعل من استئناف المسار الديمقراطي أمراً بعيد المنال.

وتشهد ليبيا تغلغلا للمجموعات المسلحة داخل بنية الدولة. فلم تعد سطوة هذه الفصائل تقتصر على الجانب الأمني، بل امتدت لتشكل "اقتصاداً موازياً" يستفيد من اعتمادات المصرف المركزي وعقود المؤسسة الوطنية للنفط. ويؤدي غياب الرقابة الموحدة على هاتين المؤسستين السياديتين إلى تعقيد مسارات تتبع المليارات، مما يفتح الباب واسعاً أمام قنوات الإنفاق غير المشروع، وسط تبادل اتهامات بـ"نهب المال العام" بين الأطراف المتصارعة في الشرق والغرب.

ويرى محللون اقتصاديون أن هذه المكاسب هي نتاج "ظرف حربي طارئ" وليست ثمرة إصلاحات هيكلية أو استقرار مستدام. ومع استمرار التوتر في الشرق الأوسط، تظل ليبيا عرضة لتقلبات حادة؛ إذ يتوقع أن تعيد أي تسوية للأزمة الإيرانية، أو أي انفجار أمني داخلي يستهدف الموانئ النفطية الليبية البلاد إلى نقطة الصفر اقتصادياً.

وتقف ليبيا اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، إما استثمار الوفرة المالية لترميم البنية التحتية وتحقيق استقرار معيشي عبر ميزانية موحدة شفافة أو ترك "المكاسب الهائلة" لتتسرب إلى قنوات تمويل الفصائل، ما يعني تحويل "نعمة" النفط إلى "نقمة" تمول الانقسام وتديم تبعية الدولة للسلاح.